الإحسان مع الإيمان والإسلام، لم يرد أن الإحسان مجردًا عن إيمان وإسلام. ولو قدر أنه أريد بلفظ الإيمان مجرد التصديق فلم يقع ذلك إلا مع قرينة فيلزم أن يكون مجازًا، وهذا معلوم بالضرورة لا يمكننا المنازعة فيه بعد تدبّر القرآن والحديث، بخلاف كون لفظ الإيمان في اللغة مرادفًا للتصديق، ودعوى أن الشارع لم يغيره ولم ينقله بل أراد به ما كان يريده أهل اللغة بلا تخصيص ولا تقييد، فإن هاتين المقدمتين لا يمكن الجزم بواحدة منهما؛ فلا يعارض اليقين. كيف وقد عرف فساد كل واحدة من المقدمتين وأنها من أفسد الكلام؟ وأيضًا فليس لفظ الإيمان في دلالته على الأعمال المأمور بها بدون لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج الشرعي، سواء قيل: إن الشارع نقله أو أراد الحكم دون الاسم، أو أراد الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف، أو خاطب بالاسم مقيدًا لا مطلقًا.
إلى أن قال الشيخ (234) : وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، وهذه طريقة أهل البدع. ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، ولهذا تجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع، يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. فلا يعتمدون لا على السنة ولا على إجماع السلف وآثارهم. وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم. وهذه طريقة الملاحدة أيضًا إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة وكتب الأدب واللغة. وأما كتب القرآن والحديث والآثار فلا يلتفتون إليها، هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي عندهم لا تفيد اليقين. وأولئك يتأوّلون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه. وقد ذكرنا كلام أحمد وغيره في إنكار هذا وجعله طريقة أهل البدع، وإذا تُدبّرت حججهم وجدت دعاوى لا عليها دليل، انتهى كلام الشيخ -رحمه الله-.
وأقول: سبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة فمعتزلة اليوم على طريقة معتزلة أمس، وما عليه الكثير من الجماعات اليوم والأحزاب المنتسبة إلى الإسلام هو ما عليه الجماعات المخالفة لأهل السنة بالأمس؛ يعتمدون على مخططاتهم ومناهجهم التي وضعها لهم رؤساؤهم، ويعتمدون على عقولهم وأفهامهم ولا يلتفتون إلى الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة إذا خالف أهواءهم، بل يطعنون في الأحاديث ولو كانت صحيحة متفقًا على صحتها إذا خالفت آراءهم ومناهجهم.
ويسمّون كتب العلوم الشرعية بالكتب الصفراء، كناية عن أنها قديمة لا تصلح، ويعتمدون على الكتب العصرية الخالية من العلم ويسمّونها كتب الفكر، إن هؤلاء الضلال المعاصرين هم ورثة الضلال القدماء، تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم ومناهجهم، وكما ذكر الشيخ يفسّرون القرآن والحديث برأيهم ولا يعتمدون على كلام السلف وتفاسير السلف؛ لأنهم كما يقولون: يريدون التجديد والتخلّص من القديم لأنه بزعمهم لم يَعد كافيًا لمواجهة تحدّيات العصر كما يقولون.
ومنهم من يفسّر القرآن والسنة بنظريات الأطباء والفلاسفة المعاصرين ويسمّون ذلك بالتفسير العلمي، وكأنهم بهذا يريدون قطع الصلة بين خلف هذه الأمة وسلفها، بل ويقطعون صلتها بعلوم السلف ومعارفهم التي بنوها على الكتاب والسنة. ولكن مع هذا، فأهل الحق وأهل السنة والجماعة ثابتون على كتاب ربهم وسنة نبيهم ومنهج سلفهم: (لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى وهم على ذلك) (235) ؛ كما أخبر بذلك المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، والحمد لله رب العالمين.