مستوليًا. وأنه تولى سنة ستين بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخمسين سنة وسلم إليه الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ الأمر عام أربعين، الذي يقال له: عام الجماعة، لاجتماع الكلمة وزوال الفتنة بين المسلمين.
وهذا الذي فعله الحسن ـ رضي الله عنه ـ مما أثنى عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن أبي بكرة رضي الله عنه ـ: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (68) فجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما أثنى به على ابنه الحسن ومدحه على أن أصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، وذلك حين سلم الأمر إلى معاوية. وكان قد سار كل منهما إلى الآخر بعساكر عظيمة. فلما أثنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الحسن بالإصلاح وترك القتال دل على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين كان أحب إلى الله تعالى من فعله، فدل على أن الاقتتال لم يكن مأمورًا به. ولو كان معاوية كافرًا لم تكن تولية كافر وتسليم الأمر إليه مما يحبه الله ورسوله، دل الحديث على أن معاوية وأصحابه كانوا مؤمنين كما أن الحسن وأصحابه مؤمنون. وأن الذي فعله الحسن كان محمودًا عند الله تعالى محبوبًا مرضيًا له ولرسوله.
وهذا كما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الصحيحين (69) من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من الناس فتقتلهم أولى الطائفتين بالحق) ، وفي لفظ: (فتقتلهم أدناهم إلى الحق) ؛ فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلا الطائفتين المقتتلتين: علي وأصحابه ومعاوية وأصحابه على حق، وأن عليًا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. فعلي بن أبي طالب هو الذي قاتل المارقين وهم الخوارج الحرورية الذين كانوا من شيعة علي، ثم خرجوا عليه وكفروه وكفروا من والاه، ونصبوا له العداوة وقاتلوه ومن معه، وهم الذين أخبر عنهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأحاديث الصحيحة المستفيضة بل المتواترة، حيث قال فيهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند الله يوم القيامة. آيتهم أن فيهم رجلًا مخدج اليدين له عضلة عليها شعرات تدردر) . (70) وهؤلاء هم الذين نصبوا العداوة لعلي ومن والاه، وهم الذين استحلوا قتله وجعلوه كافرًا، وقتله أحد رءوسهم: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، فهؤلاء النواصب الخوارج المارقة إذ قالوا: إن عثمان (كذا ولعله: معاوية) وعليًا ومن معهما كانوا كفارًا مرتدين؛ فإن من حجة المسلمين عليهم ما تواتر من إيمان الصحابة، وما ثبت بالكتاب والسنة الصحيحة: من مدح الله تعالى لهم، وثناء الله عليهم ورضاه عنهم، وإخباره بأنهم من أهل الجنة، ونحو ذلك من النصوص. ومن لم يقبل هذه الحجج لم يمكنه أن يثبت إيمان علي بن أبي طالب وأمثاله فإنه لو قال هذا الناصبي للرافضي: إن عليًا كان كافرًا أو فاسقًا أو ظالمًا، وأنه قاتل على الملك لطلب الرئاسة لا للدين، وأنه قتل من أهل الملة من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجمل وصفين وحروراء ألوفًا مؤلفة، ولم يقاتل بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كافرًا ولا افتتح مدينة، بل قاتل أهل القبلة، ونحو هذا الكلام الذي تقوله النواصب المبغضون لعلي ـ رضي الله عنه ـ لم يكن ليجيب هؤلاء النواصب إلا أهل السنة والجماعة الذين يحبون السابقين الأولين كلهم ويوالونهم. فيقولون لهم: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير ونحوهم ثبت بالتواتر إيمانهم وهجرتهم وجهادهم وثبت في القرآن ثناء الله عليهم والرضا عنهم، وثبت بالأحاديث الصحيحة ثناء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خصوصًا وعمومًا. كقوله في الحديث المستفيض عن: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) (71) ، وقوله: (إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكون في أمتي أحد فعمر) (72) ، وقوله عن عثمان: (ألا أستحي ممن تستحيي منه الملائكة؟) (73) وقوله لعلي: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله علي يديه) (74) وقوله: (لكل نبي حواريون وحواريي الزبير) (75) ، وأمثال ذلك.