الثالث: أنه إذا كان معلومًا في اللغة التي نزل بها القرآن كان معلومًا في القرآن.
الرابع: أنه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلومًا، لم يحتج أن يقول: الكيف مجهول، لأن نفي العلم بالكيف لا ينفي إلا ما قد علم أصله، كما نقول: إنا نقر بالله ونؤمن به، ولا نعلم كيف هو.
الخامس: الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك هو عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات، ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره، كما في قوله: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} [المؤمنون] ، وكما في دعاء الكرب (12) ، فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في الموجودات كلها، لجاز مع إضافته إلى العرش أن يقال: استوى على السماء وعلى الهواء والبحار والأرض وعليها ودونها ونحوها، إذ هو مستو على العرش، فلما اتفق المسلمون على أنه يقال: استوى على العرش ولا يقال: استوى على هذه الأشياء، مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء علم أن معنى استوى خاص بالعرش ليس عامًا كعموم الأشياء.
السادس: أنه أخبر بخلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأخبر أن عرشه كان على الماء قبل خلقها، وثبت ذلك في"صحيح البخاري" (13) ، عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض) ، مع أن العرش كان مخلوقًا قبل ذلك فمعلوم أنه ما زال مستوليًا عليه قبل وبعد، فامتنع أن يكون الاستيلاء العام هذا الاستيلاء الخاص بزمان، كما كان مختصًا بالعرش.
السابع: أنه لم يثبت أن لفظ استوى بمعنى استولى، إذ الذين قالوا ذلك عمدتهم البيت المشهور:
ثم استوى بشر على العراق ** من غير سيف ولا دم مهراق
ولم يثبت نقل صحح أنه شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيت مصنوع لم يعرف في اللغة، وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحتاج إلى صحته، فيكف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة؟ وذكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه"الإفصاح"، قال: سئل الخليل: هل وجدت في اللغة: استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو جائز في لغتها، وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل.
الثامن: أنه روي عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: لا يجوز استوى بمعنى استولى، إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء، والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى. فإذا تبين هذا فقول الشاعر: ثم استوى بشر على العراق، لفظ مجازي لا يجوز حمل الكلام عليه إلا مع قرينة تدل على إرادته، ومعلوم أنه ليس في الخطاب قرينة أنه أراد بالآية الاستيلاء، وأيضًا فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى استولى إلا فيما كان منازعًا مغالبًا، فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل: استولى، والله لم ينازعه أحد في العرش.
التاسع: أنه لو ثبت أنه من اللغة العربية لم يجب أن يكون من لغة العرب العرباء، ولو كان من لفظ بعض العرب لم يجب أن يكون من لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان من لغته لكان بالمعنى المعروف في الكتاب والسنة.