يراد الصفة وتارة يراد نفس التعلق. والأمر مصدر فالمأمور به يسمى أمرًا. ومن هذا الباب سمي عيسى -صلى الله عليه وسلم- كلمة؛ لأنه مفعول بالكلمة وكائن بالكلمة. وهذا هو الجواب عن سؤال الجهمية لما قالوا: عيسى كلمة الله فهو مخلوق، والقرآن إذا كان كلام الله لم يكن إلا مخلوقًا.
قال الشيخ في الرد عليهم: فإن عيسى ليس هو نفس كلمة الله، وإنما سمي بذلك لأنه خلق بالكلمة على خلاف سنة المخلوقين فخرقت فيه العادة، وقيل له: كن فكان. والقرآن نفس كلام الله. فمن تدبر ما ورد في باب أسماء الله تعالى وصفاته، وأن دلالة ذلك في بعض المواضع على ذات الله أو بعض صفات ذاته؛ لا يوجب أن يكون ذلك هو مدلول اللفظ حيث ورد حتى يكون ذلك طردًا للمثبت ونقضًا للنافي، بل ينظر في كل آية وحديث بخصوصه وسياقه وما يبين معناه من القرآن والدلالات.
فهذا أصل عظيم مهم نافع في باب فهم الكتاب والسنة والاستدلال والاعتراض والجواب وطرد الدليل ونقضه، فهو نافع في كل عام خبري وإنشائي وفي كل استدلال أو معارضة من الكتاب والسنة وفي سائر أدلة الخلق. فإذا كان العبد لا يمتنع أن يتقرب من ربه، وأن يقرب منه ربه بأحد المعنيين المتقدمين أو بكليهما (أي قربه بذاته، وقربه الذي من لوازم ذاته) ؛ لم يمتنع حمل النص على ذلك إذا كان دالًا عليه. فإن لم يكن دالًا عليه لم يجز حمله. وإن احتمل هذا المعنى وهذا المعنى وُقف، فجواز إرادة المعنى في الجملة غير كونه هو المراد بكل نص.
وأما قربه اللازم من عباده بعلمه وقدرته وتدبيره فقوله سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق] ، من الناس طوائف عندهم لا يحتاج إلى تأويل، ومنهم من يحوجها إلى التأويل، ثم أقول: هذه الآية لا تخلو إما أن يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس في ذلك. فإن أريد بها قرب الملائكة فقوله: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق] ؛ فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما في نفس الإنسان، وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه ودليل ذلك قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى} [ق] ؛ ففسر ذلك بالقرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان. وبأي معنى فسر فإن علمه وقدرته عام التعلق، وكذلك نفسه سبحانه لا يختص بهذا الوقت، وتكون هذه الآية مثل قوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف] ، ومنه قوله في أول السورة: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق] ، وعلى هذا فالقرب لا مجاز فيه، وإنما الكلام في قوله تعالى: {ونحن أقرب} حيث عبر بها عن الملائكة ورسله، أو عبر بها عن نفسه أو عن ملائكته، ولكن كل قرب بحسبه. فقرب الملائكة منه تلك الساعة وقربه تعالى منه مطلق كالوجه الثاني إذا أريد به الله تعالى؛ أي: نحن أقرب إليه من حبل الوريد، فيرجع هذا إلى القرب الذاتي اللازم. وفيه القولان: أحدهما: إثبات ذلك وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية. والثاني: أن القرب هنا بعلمه لأنه قد قال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق] ، فذكر لفظ العلم هنا دل على القرب بالعلم، ومثل هذه الآية حديث أبي موسى: (إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) (109) فالآية لا تحتاج إلى تأويل القرب في حق الله تعالى إلا على هذا القول وحينئذ فالسياق دل عليه، وما دل عليه السياق هو ظاهر الخطاب فلا يكون من موارد النزاع.
وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلًا، وإنما نذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأي.