يرد الشيخ (103) -رحمه الله- على الذين يؤولون الصفات أو بعضها بغير معناها الصحيح ويبين الفرق بين التأويل الباطل والتفسير الصحيح الذي يدل عليه السياق في الكلام فيقول: الذين يجعلون الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة، ويوجد هذا التفسير في كلام طائفة كأبي حامد الغزالي وأمثاله، ولا يثبت هؤلاء قربًا حقيقيًا وهو القرب المعلوم المعقول. ومن جعل قرب عباده المقربين ليس إليه إنما هو إلى ثوابه وإحسانه؛ فهو معطل مبطل، وذلك أن ثوابه وإحسانه إليه ويصلون إليه ويباشرهم ويباشرونه، بدخوله فيهم ودخولهم فيه بالأكل واللباس، فإذا كانوا يكونون في نفس جنته ونعيمه وثوابه كيف يجعل أعظم الغايات قربهم من إحسانه؟ ولا سيما والمقربون هم فوق أصحاب اليمين الأبرار الذين كتابهم في عليين {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين] قال ابن عباس: يشرب بها المقبرون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا (104) فأخبر أن الأبرار في نفس النعيم، وأنهم يسقون من الشراب الذي وصفه الله تعالى. ويجلسون على الأرائك ينظرون. فكيف يقال: إن المقربين الذين هم أعلى من هؤلاء؟ بحيث يشربون صرفها ويمزج لهؤلاء مزجًا، إنما تقريبهم هو مجرد النعيم الذي أولئك فيه؟ هذا مما يعلم فساده بأدنى تأمل.
ثم بيّن الشيخ (105) -رحمه الله- قرب الرب سبحانه الذي هو من لوازم ذاته مثل العلم والقدرة، وقال: لا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه، لم يزل بهم عالما ولم يزل عليهم قادرا. هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف، إلا من ينكر علمه القديم من القدرية والرافضة ونحوهم، أو ينكر قدرته على الشيء قبل كونه من الرافضة والمعتزلة وغيرهم.
إلى أن قال الشيخ - رحمه الله: وإذا كان قرب عباده منه نفسه وقربه منهم ليس ممتنعًا عند الجماهير من السلف، وأتباعهم من أهل الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام؛ لم يجب أن يتأول كل نص فيه ذكر قربه من جهة امتناع القرب عليه، ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة وينظر في النص الوارد فإن دل على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه، وهذا كما في لفظ الإتيان والمجيء. إن كان دل في موضع قد دل عندهم على أنه هو يأتي ففي موضع آخر دل على أنه يأتي بعذابه، كما في قوله تعالى: {فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: 26] ، وقوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2] ؛ فتدبر هذا فإنه كثيرًا ما يغلط الناس في هذا الموضع؛ إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ حيث ورد دالًا على الصفة وظاهرًا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة، فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى إضافة صفة من آيات الصفات، كقوله تعالى: {فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} [الزمر: 56] ، وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية وهذا موجود في أمر المخلوقين. يراد بألفاظ الصفات منهم كثيرة غير الصفات. وأنا أذكر لهذين مثالين نافعين:
أحدهما: صفة الوجه؛ فإنه لما كانت إثبات هذه الصفة مذهب أهل الحديث والمتكلمة الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية، وكان نفيها مذهب الجهمية من المعتزلة وغيرهم ومذهب بعض الصفاتية من الأشعرية وغيرهم؛ صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع، فالمثبت يجعلها من الصفات لا تتأول بالصَّرف. والنافي يرى أنه إذا قام الدليل على أنها ليست