ثم بيّن اشتمال القرآن على الدلائل العقلية فقال: وأما القسم الثاني: وهو دلائل هذه المسائل الأصولية، فإنه كان يظن طوائف من المكتملين والمتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق؛ فدلالته موقفه على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما يبنى على صدق المخبر منقولات محضة؛ فقد غلطوا عظيمًا. بل ضلوا ضلالًا مبينًا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، بل الأمر ما عليه سلف الأمة وأئمتها أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالى بيّن من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدُر أحد من هؤلاء قدرَه.
ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله تعالى في كتابه التي قال فيها: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} [الروم: 58] ، فالأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية.
إلى أن قال: ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد والعلم به تابع للعلم بإمكانه، فإن الممتنع أن يكون بيَّن سبحانه إمكانه أتم بيان ولم يسلك في ذلك ما يسلكه طوائف من أهل الكلام (يعني من استخدام المقدمات والنتائج المنطقية التي كثيرًا ما يدخلها الخلل وعدم الانضباط) ، بل بيّن سبحانه الدليل على وقوع البعث بمثل قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا} [الإسراء] وقوله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس] ، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف] ، وقوله: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57] ؛ فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر (يعني خلق الإنسان) أولى بالإمكان والقدرة من ذلك. وكذلك استدلاله على ذلك بالنشأة الأولى في مثل قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] ، ولهذا قال بعد ذلك: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الروم: 27] ، وقال {إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ} [الحج: 5] الآية. وكذلك ما ذكره في قوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس] الآيات. فإن قوله تعالى: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} ؛ قياس حذفت إحدى مقدمتيه لظهورها، والأخرى سالبة قرن معها دليلها: وهو المثل المضروب الذي ذكره بقوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس] ، وهذا استفهام إنكار متضمن للنفي؛ أي: لا أحد يحيي العظام وهي رميم، فإن كونها رميمًا يمنع عنده إحياءها لمصيرها إلى حال اليبس والبرودة المنافية للحياة التي مبناها على الحرارة والرطوبة، ولتفرق أجزائها واختلاطها بغيرها، ولنحو ذلك من الشبهات، والتقدير: هذه العظام رميم ولا أحد يحيي العظام وهي رميم؛ فلا أحد يحييها.
ثم بيّن سبحانه إمكان إحيائها من وجوه؛ منها: إمكان ما هو أبعد من ذلك وقدرته عليه، فقال: {يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] ، وقد أنشأها من التراب. ثم قال: {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79] ؛ ليبين علمه بما تفرق من الأجزاء واستحال، ثم قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا} [يس: 80] ؛ فبيّن أنه أخرج النار الحارة اليابسة من البارد الرطب، ثم قال: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم} [يس: 81] ؛ وهذه مقدمة معلومة بالبديهة، ولهذا جاء فيها باستفهام التقرير الدال على أن ذلك مستقر معلوم عند المخاطب، كما قال سبحانه: وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ