عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: 25] ، وقد قال تعالى: {حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر] .
انتهى كلام الشيخ - رحمه الله -، ومقتضاه أن الأمور المقطوع بحصولها لا وجه للاستثناء فيها كما يفعله بعض الجهال فيقول: أنا إن شاء الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله! وإنما يشرع الاستثناء في الأمور غير المقطوع بها من قبل العبد؛ كقبول العمل وحصول الثواب عليه فإن هذا من شأن الله، والعبد لا يدري هل تقبل منه وغفر له أو لا؟ وإنما يرجو ذلك من الله ويقول: إن شاء الله، والله تعالى أعلم، وقد يبالغ بعض الناس في استعمال المشيئة فيقول: هذا ابني إن شاء الله، جئت من السفر إن شاء الله، وما أشبه ذلك وهذا لا وجه له، والله أعلم.
الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بين للناس كل ما يحتاجون إليه في دينهم
بيّن الشيخ (37) - رحمه الله - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بيّن للناس ما يحتاجونه من أصول الدين وفروعه أحسن بيان بأدلة عقلية وشرعية، خلافًا لما يدعيه علماء الكلام من أن هناك أمورًا من أمور العقيدة إنما تعرف بأدلة العقل، وأنه ليس في القرآن أدلة عقلية وإنما هو أدلة سمعية، قال - رحمه الله:
فإن المسائل التي هي أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين، أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه؛ إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين. وأنها مما يحتاج إليه الدين، ثم إن نفي نقل الكلام فيها عن الرسول صلى الله عليه وسلم يوجب أحد أمرين: إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الذين فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة وكلا هذين باطل قطعًا، وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين. وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول. أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم. أو جاهل بهما جميعًا. فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه. وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق ما يسميه هو وأشكاله عقليات وإنما هي جهليات. وجهله بالأمرين يوجب أن يُظَن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة. وأن يظن عدم بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما ينبغي أن يعتقد. وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولًا، أو قولًا وعملًا؛ كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد أو دلائل هذه المسائل.
أما القسم الأول: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر؛ إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه. وكتاب الله الذي نقله الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي نقلوها أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب.
والحمد لله الذي بعث إلينا رسولًا من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا. الذي أنزل أنزل الكتاب تفصيلًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين. {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] ، وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصًا في عقله وسمعه، ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] .