وكذلك في أفراد مسلم قوله: (والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) (24)
وقال في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة. ورواه البخاري من حديث ابن عباس، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) (25) انتهى.
ومقصود الشيخ - رحمه الله - من إيراد هذه الأحاديث والآثار بيان أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ردًا على المرجئة الذين يخرجونها من مسمى الإيمان. وبالله التوفيق.
ويواصل الشيخ - رحمه الله - كلامه عن الإيمان (26) فيقول: فيقال: اسم الإيمان تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإسلام ولا باسم العمل الصالح ولا غيرهما، وتارة يذكر مقرونًا إما بالإسلام؛ كقوله في حديث جبريل: (ما الإسلام؟ وما الإيمان؟) (27) وكقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: 104] ، وقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات] .
وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن الكريم كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277] ، وإما مقرونًا بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ} [الروم: 56] ، وقوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] ، وحيث ذكر الذين آمنوا فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم فإنهم خيارهم قال تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ، وقال: {لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} [النساء: 162] ، ويذكر أيضًا لفظ المؤمنين مقرونًا بالذين هادوا والنصارى والصابئين ثم يقول: {مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69] ، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر عمهم كما عمهم في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] .
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان، وأما العموم بالنسبة إلى الملل فتلك مسألة أخرى، فلما ذكر الإيمان مع الإسلام جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان. والصلاة والزكاة والصيام، والحج. وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب) (28)
وإذا ذكر اسم الإيمان مجردًا دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة كقوله في حديث الشعب: (الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) (29) ، وكذلك سائر الأحاديث يجعل فيها أعمال البر من الإيمان، ثم إن نُفِيَ الإيمان عند عدمها دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة؛ فإن الله ورسوله لا ينفي اسم مسمى أمرٍ أمرَ الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته كقوله: (لا صلاة إلا بأم القرآن) (30) وقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) (31) ، ونحو ذلك.