والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه. وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن فإنه معرض للوعيد.
وأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه وأخفى من جهة أصحابه من الإيمان. والإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام. والمحسنون أخص من المؤمنين والمؤمنون أخص من المسلمين، وهكذا يقال في الرسالة والنبوة. فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا. فالأنبياء أعم، والنبوة نفسها جزء من الرسالة. فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الإسلام والإيمان بما أجاب كما يجاب عن المحدود بالحد. إذا قيل: ما كذا؟ قيل: كذا وكذا كما في الحديث الصحيح لما قيل: ما الغيبة؟ قال: (ذكرك أخاك بما يكره) (12) ، وفي الحديث الآخر: (الكبر بطر الحق وغمط الناس) (13) ، وبطر الحق: جحده ودفعه، وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم.
ولكن المقصود أن قوله: (بني الإسلام على خمس) (14) كقوله: الإسلام هو الخمس كما ذكر في حديث جبريل (15) ، فإن الأمر مركب من أجزاء تكون الهيئة الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء ومركبة منها. فالإسلام مبني على هذه الأركان.
وقد فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس (16) بما فسر به الإسلام هنا، لكنه لم يذكر فيه الحج وهو متفق عليه، فقال: (آمركم بالإيمان بالله وحده، هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، أو خمسًا من المغنم) ، وقد روي في بعض طرقه: (الإيمان بالله وشهادة أن لا إله الله) ، لكن الأول أشهر. وفي رواية أبي سعيد: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا) .
وقد فسر في حديث شعب الإيمان الإيمان بهذا وبغيره فقال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (17) .
وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال: (الحياء شعبة من الإيمان) ؛ من حديث ابن عمر (18) وابن مسعود وعمران بن حصين. وقال أيضًا: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (19) ، وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (20) ، وقال: (والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن!) . قيل: من يا رسول الله؟ قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه) (21) وقال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (22) ، وقال: (ما بعث الله من نبي إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه ويستنون بسنته، ثم إنه يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (23) ، وهذا من أفراد مسلم.