فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 400

قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا إلى السماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يفتح لها. ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف] ، ثم يقول الله تعالى: اكتبوا كتابه في سجين الأرض السفلى. قال: فتطرح روحه طرحًا، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] . قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه. هاه. لا أدري)، وساق الحديث كما تقدم، إلى أن قال: (ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك! هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي لا يأتي بالخير. قال: أنا عملك السوء. فيقول: رب لا تقم الساعة) . ثلاث مرات.

قال الشيخ - رحمه الله: ففي هذا الحديث أنواع من العلم:

منها: أن الروح تبقى بعد مفارقة البدن؛ خلافًا لضُلاّل المتكلمين، وأنها تصعد وتنزل خلافًا لضلال الفلاسفة، وأنها تعاد إلى البدن، وأن الميت يُسأل فينعم أو يعذب، وفيه أن عمله الصالح أو السيئ يأتيه في صورة حسنة أو قبيحة، ثم أورد الشيخ - رحمه الله - أحاديث بهذا المعنى ثم قال: فقد أخبرت هذه النصوص أن الروح تنعم مع البدن الذي في القبر - إذا شاء الله - وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب"ذكر الموت"عن مالك بن أنس قال:"بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت"، وهذا يوافق ما رُوي: أن الروح قد تكون على أفنية القبور؛ كما قال مجاهد: إن الأرواح تدوم على القبور سبعة أيام يومَ يدفن الميت لا تفارق ذلك.

وقد تعاد الروح إلى البدن في غير وقت المسألة؛ كما في الحديث الذي صححه ابن عبد البر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما من رجل يمر بقبر الرجل الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام) (90) . وفي"سنن أبي داود"وغيره عن أوس بن أوس الثقفي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن خير أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة. فإن صلاتكم معروضة عليَّ) . قالوا: يا رسول الله! كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمْتَ؟ فقال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) (91)

وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار ما يضيق هذا الوقت عن استقصائه مما يبين أن الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب، إذا شاء الله ذلك، كما يشاء. وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن ومنعمة ومعذبة. ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسلام على الموتى؛ كما ثبت في الصحيح والسنن: أنه كان يُعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) (92)

وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في قبورهم، ورأوهم بعيونهم يعذبون في قبورهم في آثار كثيرة معروفة، ولكن لا يجب ذلك أن يكون دائمًا على البدن في كل وقت، بل يجوز أن يكون في حال دون حال، وفي"الصحيحين"عن أنس بن مالك - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك قتلى بدر ثلاثًا ثم أتاهم فقام عليهم قال: (يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا) . فسمع عمر - رضي الله عنه - قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: يا رسول الله كيف يسمعون وقد جيفوا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت