فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 400

وكذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهيمه إياه بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ويترجمها بالعربية؛ كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ويكتب له، حيث لم يأمن اليهود في ذلك (42) .

فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر والعَرَض والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه؛ لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة من النفي والإثبات، كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع فقال: هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه.

قال الشيخ: فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات (يعني الجوهر والعَرَض والجسم) ووزنت بالكتاب والسنة بحيث يُثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة كان ذلك هو الحق. بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ نفيًا أو إثباتًا في الوسائل والمسائل من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم، وهذا من مثارات الشبهة، فإنه لم يوجد في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من الصحابة والتابعين ولا أحد من الأئمة المتبوعين أنه علق بمسمى لفظ الجوهر والجسم والتحيز والعَرَض ونحو ذلك شيئًا من أصول الدين؛ لا الدلائل ولا المسائل.

والسلف والأئمة الذين ذموا وبدّعوا الكلام في الجوهر والجسم والعَرَض تضمن كلامهم ذم من يُدخِل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين؛ في دلائه وفي مسائله نفيًا وإثباتًا. فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه؛ فهذا عظيم المنفعة وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا، كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} [البقرة] ، وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم. وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف.

ومقصود الشيخ مما سبق ذكره أن أدلة الكتاب والسنة كافية في بيان الحق ورد الباطل، وشاملة لأصول الدين وفروعه، وهي أدلة معصومة من الخطأ لأنها {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت] ، أما قواعد المنطق وأدلة المتكلمين فهي من وضع البشر فيها الخطأ وفيها الصواب ولا حاجة بالأمة إليها، لكن لا مانع من التعبير بما تضمن الحق منها لمن يحتاج إلى ذلك، ولا يعرف ما فيها من الحق إلا بعرضها على الكتاب والسنة فما وافقهما فهو حق، وما خالفهما فهو باطل، ومن لا يحتاج إلى قواعد المنطق وعلم الكلام فلا يجوز له أن يتكلم بهما ويعتاض بهما عن أدلة الكتاب والسنة.

وما ذكره الشيخ هنا يخالف منهج المتكلمين الذين يجعلون قواعد المنطق وأدلة المتكلمين التي يسمونها الأدلة العقلية يجعلونها هي الأصل ويعرضون عليها أدلة الكتاب والسنة، فما وافقها قبلوه وما خالفها إما ردوه إن استطاعوا وإلا أولوه وحرفوه، ويقولون: إن الأدلة العقلية قطعية الدلالة وأدلة الشرع ظنية الدلالة، والقطعي هو الأصل. لكنا نقول: هذا من قلب الحقائق؟ كيف يجعل ما هو من عند البشر قطعي الدلالة، وما هو من عند الله ظني الدلالة؟ ثم كيف يوثق بقواعد المنطق وأدلة المتكلمين وهي متضاربة متهافتة ينقض بعضها بعضًا؟ وقد أقروا (43) على أنفسهم بالحيرة حتى قال بعض كبارهم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت