وأما النفاة فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته. بل عند هذا القائل الشاك وأمثاله أن الاستواء مجهول غير معلوم.
وإذا كان الاستواء مجهولًا لم يحتج إلى أن يقال: الكيف مجهول. لا سيما إذا كان الاستواء منتفيًا، فالمنتفى المعدوم لا كيفية له حتى يقال: هي مجهولة أو معلومة. وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء وأنه معلوم، وأن له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن، ولهذا بدَّع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية. فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا ونحن لا نعلم كيفية استوائه. وليس كل ما كان معلومًا وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا؛ يبين ذلك أن المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنه قال: الله في السماء وعلمه في كل مكان. حتى ذكر ذلك مكيٌّ خطيب قرطبة في كتاب"التفسير"الذي جمعه من كلام مالك، ونقله أبو عمرو الطلمنكي وأبو عمر بن عبد البر، وابن أبي زيد في"المختصر"وغير واحد، ونقله أيضًا عن مالك غير هؤلاء ممن لا يُحصى عددهم. مثل أحمد بن حنبل وابنه عبد الله والأثرم والخلال والآجري وابن بطة، وطوائف غير هؤلاء من المصنفين في السنة. ولو كان مالك من الواقفة أو النفاة لم ينقل عنه هذا الإثبات، والقول الذي قاله مالك قاله قبله ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخه، كما رواه عنه سفيان بن عيينة.
وقال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون كلامًا طويلًا يقرر مذهب الإثبات ويرد على النفاة، وكلام المالكية في ذم الجهمية النفاة مشهور في كتبهم، وكلام أئمة المالكية وقدمائهم في الإثبات كثير مشهور، حتى علماؤهم حكوا الإجماع من أهل السنة والجماعة على أن الله بذاته فوق عرشه.
وابن أبي زيد إنما ذكر ما ذكره سائر أئمة السلف ولم يكن من أئمة المالكية من خالف ابن أبي زيد في هذا، وهو إنما ذكر هذا في مقدمة"الرسالة"لتلقن لجميع المسلمين؛ لأنه عند أئمة السنة من الاعتقادات التي يلقنها كل أحد. ولم يُردَّ على ابن أبي زيد في هذا إلا من كان من أتباع الجهمية النفاة، لم يعتمد من خالفه على أنه بدعة ولا أنه مخالف للكتاب والسنة، ولكن زعم من خالف ابن أبي زيد وأمثاله: أن ما قاله مخالف للعقل، وقالوا: إن ابن أبي زيد لم يكن يحسن فن الكلام الذي يعرف به ما يجوز على الله -عز وجل- وما لا يجوز. والذين أنكروا على ابن أبي زيد وأمثاله من المتأخرين تلقوا هذا الإنكار عن متأخري الأشعرية كأبي المعالي وأتباعه، وهؤلاء تلقوا هذا الإنكار عن الأصول التي شاركوا فيها المعتزلة ونحوهم من الجهمية، فالجهمية من المعتزلة وغيرهم هم أصل هذا الإنكار.
وسلف الأمة وأئمتها متفقون على الإثبات رادُّون على الواقفة والنفاة، مثل ما رواه البيهقي وغيره عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته. وقال أبو مطيع البلخي في كتاب"الفقه الأكبر"المشهور: سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض؟ قال: كفر؛ لأن الله -عز وجل- يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه] ، وعرشه فوق سبع سماواته. فقلت: إنه يقول على العرش استوى، ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض! فقال: إذا أنكر أنه في السماء كفر؛ لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وقال عبد الله بن نافع: كان مالك بن أنس يقول: الله في السماء وعلمه في كل مكان.
وقال مَعْدان: سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، قال: علمه. وقال حماد بن زيد فيما ثبت عنه من غير وجه رواه ابن أبي حاتم والبخاري وعبد الله بن أحمد وغيرهم: إنما يدور كلام الجهمية على أن يقولوا: ليس في السماء شيء. وقال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لعبد