الله يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعدم العلم بما يستحقه -سبحانه وتعالى- من الصفات التامات وعدم العلم بالحق من الباطل، ويحب منا الحيرة والشك.
ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال وإنما يحب الدين والعلم واليقين، وقد ذم الحيرة بقوله تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنعام] ، وقد أمرنا الله تعالى أن نقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة] ، وفي"صحيح مسلم"وغيره عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قام من الليل يقول: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (7) ، فهو -صلى الله عليه وسلم- يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق؛ فكيف يكون محبوب الله عدمَ الهدي في مسائل الخلاف؟ وقد قال الله تعالى له: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] . وما يذكره بعض الناس عنه أنه قال:"زدني فيك تحيرًا"؛ كذب باتفاق أهل العلم بحديثه -صلى الله عليه وسلم-. بل هذا سؤال من هو حائر وقد سأل المزيد من الحيرة! ولا يجوز أن يسأل ويدعو بمزيد الحيرة إذا كان حائرًا بل يسأل الهدى والعلم؛ فكيف بمن هو هادي الخلق من الضلالة؟ وإنما ينقل مثل هذا عن بعض الشيوخ الذين لا يقتدى بهم في مثل هذا، إن صح النقل عنه.
وقول هؤلاء الواقفة الذين لا يثبتون ولا ينفون وينكرون الجزم بأحد القولين يلزم عليه أمور:
أحدها: أن من قال هذا فعليه أن ينكر على النفاة؛ فإنهم ابتدعوا ألفاظًا ومعاني لا أصل لها في الكتاب ولا في السنة، وأما المثبتة إذا اقتصروا على النصوص فليس له الإنكار عليهم، وهؤلاء الواقفة هم في الباطن يوافقون النفاة أو يقرونهم، وإنما يعارضون المثبتة؛ فعلم أنهم أقروا أهل البدعة وعادوا أهل السنة.
الثاني: أن يقال: عدم العلم بمعاني القرآن والحديث ليس مما يحبه الله ورسوله؛ فهذا القول باطل.
الثالث: أن يقال: الشك والحيرة ليست محمودة في نفسها باتفاق المسلمين، غاية ما في الباب أن من لم يكن عنده علم بالنفي ولا الإثبات يسكت؛ فأما من علم الحق بدليله الموافق لبيان رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فليس للواقف الشاك الحائر أن ينكر على هذا العالم الجازم المستبصر المتبع للرسول العالم بالمنقول والمعقول.
الرابع: أن يقال: السلف كلهم أنكروا على الجهمية النفاة، وقالوا بالإثبات وأفصحوا به، وكلامهم في الإثبات والإنكار على النفاة أكثر من أن يمكن إثباته في هذا المكان، وكلام الأئمة المشاهير؛ مثل مالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأئمة أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد موجود كثير لا يحصيه أحد.
وجواب مالك في ذلك صريح في الإثبات؛ فإن السائل قال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه] ؛ كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم. والكيف مجهول. وفي لفظ: استواؤه معلوم أو معقول. والكيف غير معقول. والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة. فقد أخبر -رضي الله عنه- بأن نفس الاستواء معلوم، وأن كيفية الاستواء مجهولة. وهذا بعينه قول أهل الإثبات.