الكذب، بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين الحيارى {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء} [النساء: 143] ، لا مصدقين ولا مكذبين لزم من ذلك أن يكون الله يحب منا عدم العلم بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعدم العلم بما يستحقه الله -سبحانه وتعالى- من الصفات التامات، وعدم العلم بالحق من الباطل، ويحب منا الحيرة والشك.
ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل ولا الشك ولا الحيرة ولا الضلال، وإنما يحب الدين والعلم واليقين. وقد ذم الحيرة بقوله: {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنعام] .
الرد على نفاة العلويقول شيخ الإسلام (6) -رحمه الله- في رده على نفاة علو الله على عرشه: لو كان الله يحب منا أن نعتقد قول النفاة -أي نفاة العلو- وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله، وأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- لم يعرج به إلى الله وإنما عرج به إلى السماوات فقط لا إلى الله، وأن الملائكة لا تعرج إلى الله بل إلى ملكوته، وأن الله لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء. وأمثال ذلك، وإن كانوا -أي نفاة العلو- يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام، وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص، ومقصدهم بها أنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله يعبد ولا عرج بالرسول إلى الله. والمقصود أنه إن كان الذي يحبه الله لنا أن نعتقد هذا النفي، والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يعتقده. وإذا كان الله ورسوله يرضاه لنا. وهو إما واجب علينا أو مستحب لنا فلا بد أن يأمرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما هو واجب علينا، ويندبنا إلى ما هو مستحب لنا ولا بد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثبات لمحبوب الله ومرضيه وما يقرب إليه. لا سيما مع قوله -عز وجل-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، لا سيما والجهمية تجعل هذا أصل الدين، وهو عندهم التوحيد الذي لا يخالفه إلا شقي. فكيف لا يُعلِّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمتَّه التوحيد؟ وكيف لا يكون التوحيد معروفًا عند الصحابة والتابعين؟ وإذا كان كذلك كان من المعلوم أنه لا بد أن يبينه الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وقد علم بالاضطرار أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة؛ فعلم أنه ليس بواجب ولا مستحب. بل علم أنه ليس من التوحيد الذي شرعه الله تعالى لعباده، وإن كان الله تعالى يحب منا مذهب أهل الإثبات -أي إثبات علو الله على عرشه- وهو الذي أمرنا به فلا بد أن يبين ذلك لنا.
ومعلوم أن في الكتاب والسنة من إثبات العلو والصفات أعظم مما فيهما من إثبات الوضوء والتيمم والصيام والتحريم ذوات المحارم وخبيث المطاعم ونحو ذلك من الشرائع. فعلى قول أهل الإثبات يكون الدين كاملًا، والرسول -صلى الله عليه وسلم- مبلغًا مبينًا والتوحيد عن السلف مشهورًا معروفًا. والكتاب والسنة يصدق بعضهما بعضًا والسلف خير هذه الأمة وطريقهم أفضل الطرق، والقرآن حق ليس فيه ضلال، ولا دل على كفر ومحال، بل هو الشفاء والهدى والنور. وهذه كلها لوازم ملتزمة ونتائج مقبولة فقولهم مؤتلف غير مختلف ومقبول غير مردود.
ثم انتقل الشيخ -رحمه الله- إلى الرد على الواقفة الذين يتوقفون في آيات الصفات وأحاديثها فلا ينفون ما دلت عليه ولا يثبتونه وهم الذين يسمون بالمفوضة، فيقول -رحمه الله-: وإن كان الذي يحبه الله منا لا نثبت ولا ننفي، بل نبقى في الجهل البسيط وفي ظلمات بعضها فوق بعض لا نعرف الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال، ولا الصدق من الكذب بل نقف بين المثبتة والنفاة موقف الشاكين الحيارى {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء} [النساء: 143] ، لا مصدقين ولا مكذبين؛ لزم من ذلك أن يكون