فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 400

الوجه الثالث: كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة لا بد أن يخطر بقلبه هذا الباب، ويقصد فيه الحق ومعرفة الخطأ من الصواب؛ فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا يسألون عنه، ولا يشتاقون إلى معرفته ولا تطلب قلوبهم الحق. وهم ليلًا ونهارًا يتوجهون بقلوبهم إليه ويدعونه تضرعًا وخيفة ورغبًا ورهبًا، والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم بهذا ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير من الأمور، ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول المراد، وهم قادرون على سؤال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسؤال بعضهم بعضًا. وقد سألوه عما هو دون هذا: (سألوه: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم. وسأله أبو رزين: أيضحك ربنا؟ فقال:(نعم) . فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا) (5) . ثم إنهم لما سألوه عن الرؤية؟ قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) ؛ فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي. والنفاة لا يقولون: يرى كما تُرى الشمس والقمر، بل قولهم الحقيقي: أنه لا يرى بحال. ومن قال: يرى؛ موافقة لأهل الإثبات ومنافقةً لهم فسر الرؤية بمزيد علم فلا يكون كرؤية الشمس والقمر. والمقصود هنا: أنهم لا بد أن يسألوه عن ربهم الذي يعبدونه، وإذا سألوه فلا بد أن يجيبهم، ومن المعلوم بالاضطرار أن ما تقوله الجهمية النفاة لم ينقل عن أحد من أهل التبليغ عنه، وإنما نقلوا عنه ما يوافق قول أهل الإثبات.

الوجه الرابع: أن يقال: إما أن يكون الله يحب منا أن نعتقد قول النفاة أو نعتقد قول أهل الإثبات، أو لا نعتقد واحدًا منهما؛ فإن كان مطلوبه منا اعتقاد قول النفاة وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله، وأن محمدًا لم يعرج به إلى الله، وإنما عرج به إلى السماوات فقط لا إلى الله، وأن الملائكة لا تعرج إلى الله بل إلى ملكوته، وأن الله لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء وأمثال ذلك، وإن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام كقولهم: ليس بمتحيز ولا جسم ولا جوهر ولا هو في جهة ولا مكان، وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص، ومقصدهم بها أنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله يعبد ولا عرج بالرسول إلى الله.

والمقصود أنه إن كان الذي يحبه الله لنا أن نعتقده هذا النفي؛ فالصحابة والتابعون أفضل منا فقد كانوا يعتقدون هذا النفي والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يعتقده، وإذا كان الله ورسوله يرضاه لنا، وهو إما واجب علينا أو مستحب لنا؛ فلا بد أن يأمرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما هو واجب علينا ويندبنا إلى ما هو مستحب لنا، ولا بد أن يظهر عنه وعن المؤمنين ما فيه إثبات لمحبوب الله ومَرْضيِّه، وما يقرب إليه، لا سيما مع قوله -عز وجل-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، لا سيما والجهمية تجعل هذا أصل الدين وهو عندهم التوحيد. وكيف لا يكون التوحيد معروفًا عند الصحابة والتابعين؟ وإذا كان كذلك كان من المعلوم أنه لا بد أن يبينه الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وقد علم بالاضطرار أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة. فعلم أنه ليس بواجب ولا مستحب بل علم أنه ليس من التوحيد الذي شرعه الله تعالى لعباده، وإن كان يحب منا مذهب الإثبات وهو الذي أمرنا به؛ فلا بد أيضًا أن يبين لنا ذلك.

ومعلوم أن ما في الكتاب والسنة من إثبات الصفات والعلو أعظم مما فيهما من إثبات الوضوء والتيمم والصيام وتحريم ذوات المحارم وخبيث المطاعم، ونحو ذلك من الشرائع، فعلى قول أهل الإثبات يكون الدين كاملًا والرسول -صلى الله عليه وسلم- مبلغًا مبينًا والتوحيد عن السلف مشهورًا معروفًا، والكتاب والسنة يصدق بعضه بعضًا، والسلف خير هذه الأمة وطريقهم أفضل الطرق. والقرآن كله حق ليس فيه ضلال ولا دل على كفر ومحال، بل هو الشفاء والهدى والنور. وهذه كلها لوازم ملتزمة ونتائج مقبولة، فقولهم مؤتلف غير مختلف ومقبول غير مردود. وإن كان الذي يحبه الله منا لا نثبت ولا ننفي بل نبقى في الجهل البسيط وفي ظلمات بعضها فوق بعض لا نعرف الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال، ولا الصدق من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت