يَسْجُدُونَ [الأعراف] ، فلو كان موجب العندية معنى عامًا كدخولهم تحت قدرته ومشيئته، وأمثال ذلك لكان كل مخلوق عنده، ولم يكن أحد مستكبرًا عن عبادته بل مسبحًا له ساجدًا، وقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] ، وهو سبحانه وصف الملائكة بذلك ردًا على الكفار المستكبرين عن عبادته، وأمثالُ هذا في القرآن لا يحصى إلا بكلفة. وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فلا يحصيها إلا الله تعالى. فلا يخلو إما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من إثبات علو الله نفسه على خلقه هو الحق أو الحق نقيضه، إذ الحق لا يخرج على النقيضين، وإما أن يكون نفسه فوق الخلق أو لا يكون فوق الخلق كما تقول الجهمية. فأما أن يكون الحق إثبات ذلك أو نفيه؟ فإن كان نفي ذلك هو الحق؛ فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا قط، لا نصًا ولا ظاهرًا ولا الرسول ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ لا أئمة المذاهب الأربعة ولا غيرهم، ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن واحد من هؤلاء أنه نفى ذلك أو أخبر به. وأما ما نقل من الإثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يحصى أو يحصر؛ فإن كان الحق هو النفي دون الإثبات، والكتاب والسنة والإجماع إنما دل على الإثبات ولم يذكر النفي أصلًا؛ لزم أن يكون الرسول والمؤمنون لم ينطقوا بالحق في هذا الباب. بل نطقوا بما يدل -إما نصًا وإما ظاهرًا- على الضلال والخطأ المناقض للهدى والصواب! ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين فله أوفر حظّ من قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء] ؛ فإن القائل إذا قال: هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها أو خلاف ما دلت عليه، أو أنه لم يرد إثبات علو الله نفسه على خلقه، وإنما أريد بها علو المكانة ونحو ذلك. فيقال له: فكان يجب أن يبين للناس الحق الذي يجب التصديق به باطنًا وظاهرًا، بل ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه؛ فإن غاية ما يقدر أنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة والباطن المخالف للظاهر، ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطِبَ المبيّن إذا تكلم بالمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي. فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه؛ كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يُرد. لا سيما إذا كان باطلًا لا يجوز اعتقاده في الله. فإن عليه أن ينهاهم أن يعتقدوا في الله ما لا يجوز اعتقاده إذا كان ذلك مخوفًا عليهم. ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك؛ فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذين تقول النفاة: هو اعتقاد باطل، فإذا لم يكن في الكتاب ولا السنة ولا كلام أحد من السلف والأئمة ما يوافق قول النفاة أصلًا، بل هم دائمًا يتكلمون بالإثبات؛ امتنع حينئذٍ ألا يكون مرادهم الإثبات، وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه وهم لم يتكلموا به قط، ولم يظهروه وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه، وهذا كلام مبين لا مخلص لأحد عنه.
هذا وما زال كلام الشيخ -رحمه الله- في الوجه الأول من وجوه إثبات علو الله على عرشه، ومناقشته لنفاة العلو من خلال مباحث هذا الوجه.
الوجه الثاني (4) : في وجوب الإقرار بالإثبات لعلو الله على عرشه وعلى السماوات أن يقال: من المعلوم أن الله تعالى أكمل الدين وأتم النعمة وأن الله أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء، وأن معرفة ما يستحقه الله وما ينزه عنه هو من أجل أمور الدين وأعظم أصوله، وأن بيان هذا وتفصيله أولى من كل شيء؛ فكيف يجوز أن يكون هذا الباب لم يبينه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يفصله ولم يعلم أمته ما يقولون في هذا الباب؟ وكيف يكون الدين قد كمل وقد تُركوا على الطريقة البيضاء وهم لا يدرون بماذا يعرفون ربهم؛ أبِما تقوله النفاة أو بأقوال أهل الإثبات؟