قال - رحمه الله - (54) : إن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا هو الإيمان بالله ورسوله، وعند الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو وحي الله إليه كما قال خاتم الأنبياء: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. وأن محمدًا رسول الله؛ فإذا علموا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) (55) ، وقال الله تعالى له: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50] ، وقال: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7] ، وقال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] ، فأخبر أنه كان قبله من الغافلين، وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] ، وفي"صحيح البخاري"في خطبة عمر لما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - كلام معناه: أن الله هدى نبيكم بهذا القرآن فاستمسكوا به.
بيَّن الشيخ - رحمه الله - بهذا الكلام الذي سبق ذكره أن اهتداء الأنبياء وغيرهم من الخلق إنما هو بالوحي المنزل لا بالعقل المجرد، ثم أشار إلى أن هداية الأمم إنما تكون باتباع الرسل فقال: وتقرير الحجة في القرآن بالرسل كثير؛ كقوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، وقوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وقوله: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [طه: 134] . وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص: 59] وقوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ} [الملك: 8] وقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} [الزمر: 71] .
ثم بين - رحمه الله - أن منهج المصنفين من أهل السنة مبني على هذا الأصل فقال: ولهذا كان طائفة من أئمة المصنفين للسنن على الأبواب إذا جمعوا فيها أصناف العلم ابتدءوها بأصل العلم والإيمان، كما ابتدأ البخاري"صحيحه"ببدء الوحي ونزوله، فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أولًا، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي: هو الإقرار بما جاء به، ثم بكتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به فرتبه الترتيب الحقيقي. وكذلك الإمام أبو محمد الدارمي صاحب"المسند"ابتدأ كتابه بدلائل النبوة وذكر في ذلك طرفًا صالحًا.
ولما كان أصل العلم والهدى هو الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة؛ كان ذكره طريق الهداية بالرسالة التي هي القرآن، وما جاءت به الرسل كثيرًا جدًا؛ كقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ، وقوله: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 138] ، وذكر آيات بهذا المعنى، إلى أن قال: فيعلم أن آيات الله وأحاديث الرسول تمنع الكفر، وهذا كثير.
ثم ذكر الشيخ (56) - رحمه الله - طريقة علماء الكلام؛ أي: علماء المنطق، المخالفة لطريقة القرآن في إثبات العقيدة، وهي أن طريقتهم أولًا تقرير الربوبية ثم تقرير النبوة ثم تلقي السمعيات من النبوة، كما هي الطريقة المشهورة الكلامية للمعتزلة والكرامية والكُلاَّبية والأشعرية، ومن سلك هذه الطرق في إثبات الصانع أولًا بناء على حدوث العالم، ثم إثبات صفاته نفيًا وإثباتًا بالقياس العقلي على ما بينهم من اتفاق واختلاف، إما في المسائل وإما في الدلائل، ثم بعد ذلك يتكلمون في السمعيات من المعاد والثواب والعقاب والخلافة والتفضيل والإيمان بطريق مجمل، وإنما عمدة الكلام عندهم ومعظمه هو تلك القضايا التي يسمونها العقليات وهي أصول دينهم. وقد بنوها على مقاييس تستلزم رد كثير مما جاءت به السنة؛ فلحقهم الذم من جهة ضعف المقاييس التي بنوا عليها ومن جهة ردهم لما جاءت به السنة، وهم قسمان؛ قسم بنوا على هذه العقليات القياسية الأصول العلمية دون العملية. وقسم بنوا عليها الأصول العلمية