فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 400

في وجوب الإيمان بالشرع والقدر؛ يقول (13) - رحمه الله: من المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره؛ بقضائه وشرعه، وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق. مجوسية ومشركية وإبليسية.

فالمجوسية الذين كذبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه؛ فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.

والفرقة الثانية: المشركية الذين أقروا بالقضاء وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148] ؛ فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة.

والفرقة الثالثة: وهم الإبليسية: الذين أقروا الأمرين، لكن جعلوا هذا متناقضًا من الرب سبحانه وتعالى، وطعنوا في حكمته وعدله؛ كما يذكر ذلك عن إبليس مقدمهم؛ كما نقله أهل المقالات ونقل عن أهل الكتاب.

وبعد أن بيّن الشيخ أقسام الخائضين في القدر والشرع، بيّن ضرورة الناس إلى الشرع فقال: والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا؛ فإنه لا بد له من حركة يجلب بها منفعته وحركة يدفع بها مضرته. والشرع هو الذي يميز بين الأفعال التي تنفعه والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه ونوره بين عباده؛ فلا يمكن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه ويتركونه.

وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لا بد له من فعل وترك؛ فإن الإنسان همام وحارث كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (أصدق الأسماء حارث وهمام) (14) ، وهو معنى قولهم: متحرك هل نافع له أو ضار، وهل يصلحه أو يفسده؟ وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم، وبعضهم يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتصريف الرسل وبيانهم لهم وهدايتهم لهم. وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال هل يعرف حسنها وقبيحها بالعقل، أم ليس لها حسن ولا قبيح يعرف بالعقل؟ فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل وهو أن يكون الفعل سببًا لما يحبه الفاعل ويلتذ به وسببًا لما يبغضه ويؤذيه. وهذا القدر يعلم بالعقل تارة وبالشرع أخرى وبهما جميعًا أخرى. لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تعرف إلا بالشرع. فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم، كما أن ما أخبرت به الرسل من تفاصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك.

وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان وجاء به الكتاب هو ما دل عليه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] ، وقوله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50] ، وقوله: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ} [الأنبياء: 45] .

هكذا بيّن الشيخ - رحمه الله - فصل النزاع في مسألة التحسين والتقبيح، وأن العقل يدركهما في الجملة دون التفاصيل، لا كما يقوله من زعم أن العقل يستقل بإدراك ذلك، ولا من زعم أن العقل لا يدرك شيئًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت