فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 400

وجعل الطاعة للرسول فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وقد قال تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] ، وقال تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] وقال الخليل - عليه السلام: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام] . وفي"الصحيحين"عن ابن مسعود أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنما هو الشرك؛ ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ) (9) .

وقال تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] ، {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41] . ومن هذا الباب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في خطبته: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا) (10) ، وقال: (لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد. ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد) (11) ؛ ففي الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو، وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف"ثم". وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة الرسول، بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله.

ثم تكلم الشيخ - رحمه الله تعالى - عن حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال:

الأصل الثاني: حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلينا أن نؤمن به ونطيعه ونتبعه ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك. قال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80] ، وقال تعالى: {وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [النساء: 62] ، وقال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24] ، وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] وقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31] ، وأمثال ذلك.

بيّن الشيخ - رحمه الله - من سياق هذه الآيات الكريمات أن حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - علينا يتمثل بمحبته - صلى الله عليه وسلم - أكثر مما نحب أنفسنا ووالدينا وأولادنا والناس أجمعين، وأن نتبعه فيما جاء به من شرع الله ونصدقه فيما أخبرنا به من الأخبار الماضية والآتية، وأن نحكمه فيما اختلفنا فيه من المسائل العلمية والاجتهادات الفقهية، والخصومات والمنازعات، وأن نصدر عن حكمه راضين به مسلّمين له، ليس في قلوبنا تحرج مما قضى به أو كراهية له؛ لأنه لا يحكم إلا بالحق، وتحكيمه - صلى الله عليه وسلم - يعني الرجوع إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، ومن حقه علينا - صلى الله عليه وسلم - أن نتجنب ما نهانا عنه من المحرمات والبدع والخرافات وسائر المعاصي، متمثلين قول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] ، ولا تعني محبته - صلى الله عليه وسلم - ما ابتدعته بعض الناس من إحياء المواسم البدعية من الموالد والمناسبات التي ما أنزل الله بها من سلطان فقد حذرنا - صلى الله عليه وسلم - من البدع، وقال: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (12)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت