والملحد. أما هذه الألفاظ الثلاثة"يعني الحشو والتشبيه والتجسيم"فليست في كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله، ولا نطق بها أحد من سلف الأمة وأئمتها لا نفيًا ولا إثباتًا، وأول من ابتدع الذم بها المعتزلة الذين فارقوا جماعة المسلمين. فاتباع سبيل المعتزلة دون سبيل سلف الأمة ترك للقول السديد الواجب في الدين واتباع لسبيل المبتدعة والضالين. وليس فيها ما يوجد لبعض السلف ذمه، إلا لفظ التشبيه فلو اقتصر عليه لكان له قدوة من السلف الصالح، ولو ذكر الأسماء التي نفاها الله في القرآن مثل لفظ"الكفؤ والند والسمي"، وقال: منهم من لا يتحاشى من التمثيل ونحوه؛ لكان قد ذم بقبول نفاه الله في كتابه ودل القرآن على ذم قائله، ثم ينظر: هل قائله موصوف بما وصفه به من الذم أم لا؟ فأما الأسماء التي لم يدل الشرع على ذم أهلها ولا مدحهم فيحتاج فيها إلى مقامين: أحدهما بيان المراد بها. والثاني: بيان أن أولئك مذمومون في الشريعة.
والمُعترض عليه له أن يمنع المقامين فيقول: لا نسلم أن الذين عنيتهم داخلون في هذه الأسماء التي ذممتها ولم يقم دليل شرعي على ذمها، وإن دخلوا فيها فلا نسلم أن كل من دخل في هذه الأسماء فهو مذموم في الشرع.
والوجه الثاني: أن هذا الضرب الذي قلت:"إنه لا يتحاشى من الحشو والتشبيه والتجسيم"؛إما أن تُدخل فيه مثبتة الصفات الخبرية التي دل عليها الكتاب والسنة أو لا تُدخلهم؛ فإن أدخلتهم كنت ذامًا لكل من أثبت الصفات الخبرية؟ ومعلوم أن هذا مذهب عامة السلف ومذهب أئمة الدين، بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة.
فإذا كنت تذم جميع أهل الإثبات من سلفك وغيرهم لم يبق معك إلا الجهمية، ومن وافقهم على نفي الصفات الخبرية من متأخري الأشعرية ونحوهم؛ فأي ذم لقوم في أنهم لا يتحاشون مما عليه سلف الأمة وأئمتها وأئمة الذام لهم؟ وإن لم تدخل في اسم الحشوية من يثبت الصفات الخبرية لم ينفعك هذا الكلام!
وإذا كان الكلام لا يخرج به الإنسان عن أن يذم نفسه أو يذم سلفه الذين يقرّ هو بإمامتهم، وأنهم أفضل ممن اتبعهم؛ كان هو المذموم بهذا الذم على التقديرين. وكان له نصيب من الخوارج الذين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأولهم: (لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل) (12) ، يقول: إذا كنت مقرًا بأني رسول الله وأنت تزعم أني أظلم فأنت خائب وخاسر!
وهكذا من ذم من يقر بأنهم خيار الأمة وأفضلها، وأن طائفته إنما تلقت العلم والإيمان منهم، هو خائب خاسر في هذا الذم، وهذه حال الرافضة في ذم الصحابة.
الوجه الثالث: قوله:"والآخر تستر بمذهب السلف"؛ إن أردت بالتستر الاستخفاء بمذهب السلف فيقال: ليس مذهب السلف مما يتستر به إلا في بلاد أهل البدع مثل بلاد الرافضة والخوارج؛ فإن المؤمن المستضعف هناك قد يكتم إيمانه، واستنانه؛ كما كتم مؤمن آل فرعون إيمانه، وكما كان كثير من المؤمنين يكتم إيمانه حين كانوا في دار الحرب؛ فإن كان هؤلاء في بلد أنت لك فيه سلطان، وقد تستروا بمذهب السلف فقد ذممت نفسك حيث كنت من طائفة يُستتر بمذهب السلف عندهم. وإن كنت من المستضعفين المستترين بمذهب السلف فلا معنى لذم نفسك. وإن لم تكن منهم ولا من الملأ فلا وجه لذم قوم بلفظ التستر، وإن أردت بالتستر أنهم يجتنون به ويتقون به غيرهم ويتظاهرون به حتى إذا خوطب أحدهم قال: أنا على مذهب السلف. وهذا هو المعنى الذي أراده والله أعلم، فيقال له: لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا