ثم ذكر الشيخ حجج الفريق الأول فقال:
الحجة الأولى: أنه لو لم يكن الكلام قديمًا للزم أن يتصف في الأزل بضدٍّ من أضداده؛ إما السكوت وإما الخرس. ولو كان أحد هذين قديمًا لامتنع زواله وامتنع أن يكون متكلمًا فيما لا يزال، ولما ثبت أنه متكلم فيما لم يزل ثبت أنه لم يزل متكلمًا، وأيضًا فالخرس آفة ينزه الله عنها.
والحجة الثانية: أنه لو كان مخلوقًا لكان قد خلقه إما في نفسه أو في غيره أو قائمًا بنفسه والأول ممتنع؛ لأنه يلزم أن يكون محلًا للحوادث. والثاني باطل لأنه يلزم أن يكون كلامًا للمحل الذي خلق فيه. والثالث باطل لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها. فلما بطلت الأقسام الثلاثة تعين أنه قديم.
ثم بدأ الشيخ ينقض أقسام هذه الحجة، فقال: أما الحجة الأولى فهي تدل على مذهب السلف، وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء؛ فيدل على أن نوع الكلام قديم، لا على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن الكلام شيء واحد قديم. فتبين أن الأدلة العقلية الصحيحة من جميع الطوائف إنما تدل على تصديق الأنبياء التي قال الله فيها: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] ، وهي من الميزان الذي أنزله الله تعالى.
إلى أن قال (142) -رحمه الله-: وأما ما يدعونه من الكلام النفساني فذاك لا يعقل أن من خلا عنه كان ساكتًا أو أخرس، فلا يدل بتقدير ثبوته على أن الخالي عنه يجب أن يكون ساكتًا أو أخرس، وأيضًا فالكلام النفساني الذي أثبتوه لم يثبتوا ما هو، بل ولا تصوروه وإثبات الشيء فرع عن تصوره؛ فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته؟ ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب رأس هذه الطائفة وإمامها في هذه المسألة لا يذكر في بيانها شيئًا يعقل، بل يقول: هو معنى يناقض السكوت والخرس. والسكوت والخرس إنما يتصوران إذا تصور الكلام. فالساكت هو الساكت عن الكلام، والأخرس هو العاجز عنه، أو الذي حصلت له آفة في محل النطق تمنعه عن الكلام؛ وحينئذٍ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام.
ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس؛ فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه، بل هم في الكلام يشبهون النصارى في الكلمة، وما قالوه في الأقانيم والتثليث والاتحاد؛ فإنهم يقولون ما لا يتصورونه ولا يبينونه، والرسل -عليهم الصلاة والسلام- إذا أخبروا بشيء ولم نتصوره وجب تصديقهم، وأما ما يثبت بالعقل فلا بد أن يتصوره القائل به، وإلا كان قد تكلم بلا علم. فالنصارى تتكلم بلا علم فكان كلامهم متناقضًا ولم يحصل لهم قول معقول، ولهذا كان مما يشنع به على هؤلاء -يعني الأشاعرة- أنهم احتجوا في أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام كلام الله وكلام جميع الخلق بقول شاعر نصراني يقال له الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * * جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
وقد قالت طائفة: إن هذا ليس من شعره، وبتقدير أن يكون من شعره فالحقائق العقلية أو مسمى لفظ الكلام الذي يتكلم به جميع الناس لا يرجع فيه إلى قول ألف شاعر فاضل، دع أن يكون شاعرًا نصرانيًا اسمه الأخطل، والنصارى قد عرف أنهم يتكلمون في كلمة الله بما هو باطل.