فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 400

وقد تكلمت في دنو الرب وقربه وما فيه النزاع بين أهل السنة، ثم بعض المتسننة والجهال إذا رأوا ما يثبته أولئك من الحق قد يفرون من التصديق به، وإن كان لا منافاة بينه وبين ما يثبته أولئك من الحق قد يفرون من التصديق به، وإن كان لا منافاة بينه وبين ما ينازعون أهل السنة في ثبوته، بل الجميع صحيح. وربما كان الإقرار بما اتُّفق على إثباته أهم من الإقرار بما حصل فيه النزاع إذ ذلك أظهر وأبين، وهو أصل للمتنازع فيه فيحصل بعض الفتنة في نوع تكذيب ونفي حال أو اعتقاد كمال المبتدعة. فيبقى الفريقان في بدعة وتكذيب ببعض موجب النصوص، وسبب ذلك أن قلوب المثبتة تبقى متعلقة بإثبات ما نفته المبتدعة، وفيهم نفرة من قول المبتدعة بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له؛ فيعرضون عما يثبتونه من الحق أو ينفرون منه أو يكذبون به، كما قد يصير بعض جهال المتسننة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت إذا رأى أهل البدعة يغلون فيها، بل بعض المسلمين يصير في الإعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب اليهود والنصارى، حتى يُحكى عن قوم من الجهال أنهم ربما شتموا المسيح إذا سمعوا النصارى يشتمون نبينا في الحرب. وعن بعض الجهال أنه قال: سبوا عليًا كما سبوا عتيقكم -يعني أبو بكر-، كُفْرٌ بكفر وإيمان بإيمان.

ومثال ذلك في باب الصفات أن العبد إذا عرف ربه وأحبه، بل لو عرف غير الله وأحبه وتألهه يبقى ذلك المعروف المحبوب المعظم في القلب واللسان. وقد تقوى به شدة الوجد والمحبة والتعظيم حتى يستغرق به ويفنى به عن نفسه. وكما قيل: إن رجلًا كان يحب آخر فوقع المحبوب في اليم فألقى الآخر نفسه خلفه. فقال: أنا وقعت فما الذي أوقعك؟ فقال: غِبْتُ بك عني فظننت أنك إني. وهذا كما قيل:

مثالك في عيني وذكراك في فمي ** ومثواك في قلبي فأين تغيب

ولقوة الاتصال زعم الناس: أن العالم والعارف يتحد بالمعلوم المعروف، وآخرون يرون أن المحب قد يتحد بالمحبوب، وهذا إما غلط وإما توسع في العبارة؛ فإنه نوع اتحاد.

إلى أن قال -رحمه الله-: وإنما المقصود هنا أن المعروف المحبوب في قلب العارف المحب له أحكام وأخبار صادقة كقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] ، وقوله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الروم: 27] ، وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن: 3] ، وقوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى] ، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في الاستفتاح (111) : (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) ، ويحصل لقلوب العارفين به استواء وتجل لا يزول عنها يقرّ به كل أحد، لكن أهل السنة يقرون بكثير مما لا يعرفه المبتدعة، كما يقرون باستوائه على العرش. ومثل قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي (112) : (قال الله: عبدي مرضت فلم تعدني! فيقول: أي رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده) ، فقد أخبر أنه عند عبده وجعل مرضه مرضه. والإنسان قد تكون عنده محبة وتعظيم لأمير أو عالم أو مكان بحيث يغلب على قلبه ويكثر من ذكره وموافقته في أقواله وأعماله، فيقال إن أحدهما الآخر كما يقال: أبو يوسف أبو حنيفة.

إلى أن قال (113) -رحمه الله-: فهذا القدر لا يخالفه عاقل فإنه أمر محسوس مدرك وهو أقل مراتب الإقرار بالله. بل الإقرار بوجود أي شيء كان. وأقل مراتب عبادته ومحبته والتقرب إليه. ثم مع ذلك هل يتحرك القلب والروح العارفة المحبة، أم لا حركة لها إلا مجرد التحول من صفة إلى صفة؛ الأول مذهب عامة المسلمين وجمهور الخلق، والثاني قول المتفلسفة ومن اتبعهم، إذ عندهم أن الروح لا داخل البدن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت