فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 400

وكان عمرو بن العاص أحد الأمراء وأبو عبيدة بن الجراح أيضًا، وقدم عليهم خالد بن الوليد لشجاعته ومنفعته في الجهاد، فلما توفي أبو بكر ولي عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أبا عبيدة أميرًا على الجميع؛ لأن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان شديدًا في الله فولي أبا عبيدة لأنه كان لينًا، وكان أبو بكر رضي الله عنه لينا وخالد شديدًا على الكفار فولى اللين الشديد، وولي الشديد اللين ليعتدل الأمر، وكلاهما فعل ما هو أحب إلى الله تعالى في حقه.

فإن نبينًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكمل الخلق وكان شديدًا على الكفار والمنافقين ونعته الله تعالى بأكمل الشرائع؛ كما قال تعالى: في نعت أمته: {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} وقال فيهم: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} [المائدة: 54] وقد ثبت في الصحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما استشار أصحابه في أسارى بدر (55) وأشار عليه أبو بكر أن يأخذ الفدية منهم وإطلاقهم، وأشار عليه عمر بضرب رقابهم. قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إن الله يلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من البز. ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الصخر. وأن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم الخليل، إذا قال: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] ، ومثل عيسى ابن مريم إذا قال: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ، ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال: {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] ، ومثل موسى بن عمران إذ قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 88] ، وكانا في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما نعتهما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزيريه من أهل الأرض.

وقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: أن سرير عمر بن الخطاب لما وضع وجاء الناس يصلون عليه. قام ابن عباس: فالتفت فإذا علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فقال: والله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي من ألقى الله بعمله من هذا الميت، والله إني لأرجو أن يحشرك الله مع صاحبيك، فإني كثيرًا ما كنت أسمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقولك: (دخلت أنا أبو بكر وعمر. وخرجت أنا وأبو بكر وعمر. وذهبت أنا وأبو بكر وعمر) (56)

إلى أن قال الشيخ ـ رحمه الله ـ: فلما توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستخلف أبا بكر جعل الله تعالى فيه من الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك، حتى فاق عمر في ذلك، حتى قاتل أهل الردة بعد أن جهز جيش أسامة، وكان ذلك تكميلًا له لكمال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي صار خليفة له. ولما استخلف عمر جعل الله فيه من الرحمة والرأفة ما لم يكن فيه قبل ذلك تكميلًا له حتى صار أمير المؤمنين. لهذا استعمل هذا خالدًا وهذا أبا عبيدة. وكان يزيد بن أبي سفيان على الشام إلى أن ولي عمر فمات يزيد بن أبي سفيان فاستعمل عمر معاوية مكان أخيه يزيد بن أبي سفيان وبقي معاوية على ولايته تمام خلافته، وعمر ورعيته تشكره وتشكر سيرته وتواليه وتحبه؛ لما رأوا منه من حلمه وعدله، حتى إنه لم يشتك منهم مشتك ولا تظلم منهم متظلم.

وقد شهد معاوية وأخوه يزيد وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وغيرهم من مسلمة الفتح مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غزوة حنين وذكروا في قوله تعالى: {ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} [التوبة: 26] ، وكانوا من المؤمنين الذين أنزل الله سكينته عليهم مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغزوة الطائف لما حاصروا الطائف ورماها بالمنجنيق، وشدوا النصارى بالشام وأنزل الله فيها سورة براءة وهي غزوة العسرة التي جهز فيها عثمان من عفان رضي الله عنه جيش العسرة فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) (57) ، وهذا آخر مغازي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يكن فيها قتال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت