وهؤلاء المذكورون دخلوا في قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] ، فإن هؤلاء الطلقاء مسلمة الفتح هم ممن أنفق من بعد وقاتل وقد وعدهم الله الحسنى فإنهم أنفقوا بحنين والطائف وقاتلوا فيهما ـ رضي الله عنهم ـ. وهم أيضًا دخلوا فيمن ـ رضي الله عنهم ـ حيث قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] ، فإن السابقين هم الذين أسلموا قبل الحديبية كالذين بايعوه تحت الشجرة الذين أنزل الله فيهم: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] ، كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وكلهم من أهل الجنة؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) (58)
تفاضل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فيما بينهم قال ـ رحمه الله ـ في معرض كلامه عن السابقين الأولين (59) ، ومن جاء بعدهم من الصحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ قال: فإن السابقين الأولين هم الذين أسلموا قبل الحديبية كالذين أنزل الله فيهم: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] ، كانوا أكثر من ألف وأربعمائة وكلهم من أهل الجنة (60) ، كما ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) (61) ، وكان فيهم حاطب ابن أبي بلتعة وكانت له سيئات معروفة، مثل ما كتبه للمشركين بأخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإساءته إلى مماليكه، وقد ثبت في الصحيح أن مملوكه جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: والله يا رسول الله لا بد أن يدخل حاطب النار. فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كذبت إنه شهد بدرًا والحديبية) (62) ، وثبت في الصحيح (63) أنه لما كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم أرسل علي بن أبي طالب والزبير إلى المرأة التي كان معها الكتاب فأتيا به فقال: (ما هذا يا حاطب) ؟ فقال: والله يا رسول الله ما فعلت ذلك ارتدادًا عن ديني، ولا رضيت بالكفر بعد الإسلام، ولكن كنت امرءًا ملصقًا في قريش، لم أكن من أنفسهم، وكان من معك من أصحابك لهم بمكة قرابات يحمون بها أهليها. فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي. فقال عمر ابن الخطاب: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إنه قد شهد بدرًا وما يدريك أن الله قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .
وفي هذا الحديث بيان أن الله يغفر لهؤلاء السابقين كأهل بدر والحديبية من الذنوب العظيمة بفضل سابقتهم وإيمانهم وجهادهم ما لا يجوز لأحد أن يعاقبهم بها.
كما لم تجب معاقبة حاطب مما كان منه، وهذا مما يستدل به على أن ما جرى بين علي وطلحة والزبير ونحوه، فإنه إنما يكون اجتهادًا لا ذنب فيه فلا كلام. فقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإذا اجتهد فله أجر) (64) ، وإن كان هناك ذهب فقد ثبت أن هؤلاء رضي الله عنهم وغفر لهم ما فعلوه فلا يضرهم ما وقع منهم من الذنوب، إن كان قد وقع ذنب. بل إن وقع من أحدهم ذنب كان الله محاه بسبب ما قد وقع من الأسباب التي يمحص الله بها الذنوب، مثل أن يكون قد تاب فيتوب الله عليه، أو كان له حسنات تمحو السيئات.
أو يكون قد كفر عنه ببلاء ابتلاه به؛ فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذى، إلا كفر الله من خطاياه) (65)
ثم بين الشيخ ـ رحمه الله ـ مرتبة من بعد السابقين الأولين فقال: وأما من بعد هؤلاء السابقين الأولين وهم الذين أسلموا بعد الحديبية فهؤلاء دخلوا في قوله تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ} [النساء: 95] وفي