ويواصل الشيخ - رحمه الله - (8) رده على ابن الجوزي في إنكاره على الحنابلة إثبات الصفات. فيقول: فأما قوله إن مثل هؤلاء لا يحدّثون. فيقال له: قد بعث الله الرسل إلى جميع الخلق ليدعوهم إلى الله؛ فمن الذي أسقط الله مخاطبته من الناس؟ دع من تعرف أنت وغيرك ممن فضلهم الله. ولو أراد سفيه أن يرد على الرد بمثل رده لم يعجز عن ذلك.
وكذلك قوله: إنهم يكابرون العقول. فنقول: المكابرة للعقول إما تكون في إثبات ما أثبتوه، وإما أن تكون في تناقضهم بجمعهم بين إثبات هذه الأمور ونفي الجوارح. أما الأول فباطل فإن المجسمة المحضة التي تصرح بالتجسيم المحض وتغلو فيه لم يقل أحد قط: إن قولها مكابرة للعقول، ولا قال أحد: إنهم لا يخاطبون. بل الذين ردوا على غالية المجسمة، مثل هشام بن الحكم وشيعته لم يردوا عليه من الحجج العقلية إلا بحجج تحتاج إلى نظر واستدلال، والمنازع لهم وإن كان مبطلًا في كثير مما يقر له فقد قابلهم بنظير حججهم، ولم يكونوا عليه بأظهر منه عليهم إذ مع كل طائفة حق وباطل، فالنفاة لا يزعمون أن العلم بفساد قول المثبتة معلوم بالضرورة ولا أن قولهم مكابرة للعقول، وإن شنعوا عليهم بأشياء ينفر عنها كثير من الناس، فذاك ليستعينوا بنفرة النافرين على دفعهم وإخماد قولهم، لا لأن النافرين عنهم يدل على حق أو باطل، ولا لأن قولهم مكابرة للعقل أو معلوم بضرورة العقل أو ببديهته فساده.
ومن المعلوم أن مجرد نفور النافرين أو محبة الموافقين لا يدل على صحة قول ولا فساده إلا إذا كان ذلك بهدى من الله. بل الاستدلال بذلك هو استدلال باتباع الهوى بغير هدى من الله؛ فإن اتباع الإنسان لما يهواه هو أخذ القول والفعل الذي يحبه، ورد القول والفعل الذي يبغضه بلا هدى من الله، قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119] ، فمن اتبع أهواء الناس بعد العلم الذي بعث الله به رسوله وبعد هدى الله الذي بينه لعباده فهو بهذه المثابة، ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع والتفرق المخالفين للكتاب والسنة أهل الأهواء حيث قبلوا ما أحبوه، وردوا ما أبغضوا بأهوائهم بغير هدى من الله.
وأما قول أبي الفرج:"كأنهم يخاطبون الأطفال"؛ فلَمْ تخاطب الحنابلة إلا بما ورد عن الله ورسوله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان الذين هم أعرف بالله وأحكامه وسلمنا لهم أمر الشريعة وهم قدوتنا فيما أخبروا عن الله وشرعه، وقد أنصف من أحال عليهم، وقد شاقق من خرج عن طريقهم وادعى أن غيرهم أعلم بالله منهم، أو أنهم علموا وكتموا وأنهم لم يفهموا ما أخبروا به، أو أن عقل غيرهم في باب معرفة الله أتم وأكمل وأعلم مما نقلوه وعقلوه.
وقال الشيخ - رحمه الله - (9) : الأقوال نوعان: أقوال ثابتة عن الأنبياء فهي معصومة يجب أن يكون معناها حقًا عرفه من عرفه وجهله من جهله. والبحث عنها إنما هو عما أردته الأنبياء؛ فمن كان مقصوده معرفة مرادهم من الوجه الذي يُعرِّف مرادهم فقد سلك طريق الهدى، ومن قصد أن يجعل ما قالوه تبعًا له؛ فإن وافقه قبله وإلا رده وتكلف له من التحريف ما يسميه تأويلًا، مع أنه يعلم بالضرورة أن كثيرًا من ذلك أو أكثره لم تُرِدْه الأنبياء؛ فهو محرف للكلم عن مواضعه لا طالب لمعرفة التأويل الذي يعرفه الراسخون في العلم.
النوع الثاني: ما ليس منقولًا عن الأنبياء فمن سواهم؛ ليس معصومًا، فلا يقبل كلامه ولا يرد إلا بعد تصور مراده ومعرفة صلاحه من فساد.