فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 400

والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصحيح والمدخول في الصدق والصلابة وظهور الأمانة والديانة ممن سواهم. قال: وإن قصر واحد منهم في سبب منها جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ باينوا هؤلاء بهذا المعنى من سواهم، فإن غيرهم من الأئمة وإن كانوا في منصب الإمامة لكن أخلوا ببعض ما أشرت إليه مجملًا من شرائطها.

قال: ووجه ثالث لا بد من أن نبين فيه، فنقول: إن في النقل عن هؤلاء إلزامًا للحجة على كل من ينتحل مذهب إمام يخالفه في العقيدة فإن أحدهما لا محالة يضلل صاحبه أو يبدعه أو يكفره فانتحال مذهبه مع مخالفته له في العقيدة مستنكر - والله - شرعًا وعقلًا. فمن قال: أنا شافعي الشرع أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد؛ إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد.

ومن قال: أنا حنبلي في الفروع معتزلي في الأصول؛ قلنا: قد ضللت إذا عن سواء السبيل فيما تزعمه، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين والاجتهاد.

قال الكرجي: وقد افتتن أيضًا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية وهذه والله سُبَّةٌ وعار، وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار، على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار، فإن مذهبهم ما رويناه من تكفيرهم الجهمية والمعتزلة والقدرية والواقفية، وتكفيرهم اللفظية،. . .، إلى أن قال: فأما غير ما ذكرناه من الأئمة فلم ينتحل أحد مذهبهم فلذلك لم نتعرض للنقل عنهم. ثم ذكر كثيرًا من نصوص الأئمة في إثبات الصفات. ثم علق على ذلك شيخ الإسلام بقوله (7) : والعجب أن هؤلاء المتكلمين إذا احتج عليهم بما في الآيات والأحاديث من الصفات. قال: قالت الحنابلة: إن الله كذا وكذا بما فيه تشنيع وترويج لباطلهم، والحنابلة اقتفوا أثر السلف وساروا بسيرهم ووقفوا بوقوفهم بخلاف غيرهم.

ثم قال الشيخ عما يقوله أهل الضلال من تلقيب أهل الحق بالألقاب القبيحة والتشنيع عليهم: إن هذا الكلام ليس فيه من الحجة والدليل ما يستحق أن يخاطِبَ به أهل العلم؛ فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم، فقد قال الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ، وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46] ، فلو كان خصم من يتكلم بهذا الكلام، سواء كان المتكلم به أبو الفرج أو غيره من أشهر الطوائف بالبدع كالرافضة؛ لكان ينبغي أن يذكر الحجة ويعدل عما لا فائدة فيه إذ كان في مقام الرد عليهم، دع والمنازعون له - كما ادعاه - هم عند جميع الناس أعلم منه بالأصول والفروع. وهو في كلامه ورده لم يأت بحجة أصلًا؛ لا حجة سمعية ولا عقلية، وإنما اعتمد تقليد طائفة من أهل الكلام قد خالفها أكثر منها من أهل الكلام فقلدهم فيما زعموا أنه حجة عقلية. ومن يردّ على الناس بالمعقول إن لم يبين حجة عقلية وإلا كان قد أحال الناس على المجهولات؛ كمعصوم الرافضة وغوث الصوفية. انتهى المقصود من كلام الشيخ - رحمه الله -.

وقد ذكر - رحمه الله - قاعدة عظيمة في الرد على المخالف. وأن الراد يتجنب السب والشتم لأن هذا ليس برد، ولا من المجادلة بالتي هي أحسن، وأنه أسلوب مستهجن لا يعجز عنه أحد، وأن الرد يجب أن يكون بالدليل المقنع مهما كان الخصم المردود عليه، فليت بعض كتّاب العصر الذين ينهجون هذا المنهج الممقوت يتنبهون. والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت