فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 400

وهذا من بليغ الجهل؛ فإن الرسول إذا خاطب الخلق وبلغهم الرسالة لم يفارق الولاية، بل هو ولي الله في تلك الحال؛ كما هو ولي الله في سائر أحواله؛ فإنه ولي الله ليس عدوًا له في شيء من أحواله، وليس حاله في تبليغ الرسالة دون حاله إذا صلى ودعا الله وناجاه، وأيضًا فما يقول هذا المتكلف في قول هذا المعظم"يعني ابن عربي"إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبنة من فضة، وهو"أي ابن عربي"لبنتان من ذهب وفضة، ويزعم أن لبنة محمد - صلى الله عليه وسلم - هي العلم الظاهر. ولبنتاه: الذهب علم الباطن، والفضة علم الظاهر وأنه يتلقى ذلك بلا واسطة. ويصرح في"فصوصه": أن رتبة الولاية أعظم من رتبة النبوة؛ لأن الولي يأخذ بلا واسطة والنبي بواسطة. فالفضيلة التي زعم أنه امتاز بها على النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم عنده مما شاركه فيه. وبالجملة فهو لم يتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء فإنه أخذ بزعمه عن الله ما هو متابعة فيه في الظاهر، كما يوافق المجتهدُ المجتهدَ، والرسول الرسولَ، فليس عنده من اتباع الرسول والتلقي عنه شيء أصلًا في الحقائق الخبرية ولا في الحقائق الشرعية.

وقال الشيخ (6) - رحمه الله - في معرض رده على ابن الجوزي في إنكاره على الحنابلة إثبات الصفات، قال - وهو الوجه الرابع: إثبات الصفات لا يختص بالحنابلة بل إثبات جنس الصفات قد اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أهل الفقه والحديث والتصوف والمعرفة وأئمة أهل الكلام من الكلابية والكرامية والأشعرية، كل هؤلاء يثبتون لله صفة الوجه واليد ونحو ذلك. وقد ذكر الأشعري في كتاب"المقالات": أن هذا مذهب أهل الحديث وقال إنه به يقول، فقال في"جملة مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث": الإقرار بكذا وكذا، وأن الله على عرشه استوى، وأن له يدين بلا كيف كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] ، وأن له وجهًا كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن] .

قال الشيخ: وما من شيء ذكره أبو الفرج وغيره مما هو موجود في الحنبلية سواء كان الصواب فيه مع المثبت أو مع النافي أو كان فيه تفصيل، إلا وذلك موجود فيما شاء الله من أهل الحديث والصوفية والمالكية والشافعية والحنفية ونحوهم، بل هو موجود في الطوائف، التي لا تنتحل السنة والجماعة والحديث، ولا مذهب السلف؛ مثل الشيعة وغيرهم ففيهم في طرفي الإثبات والنفي ما لا يوجد في هذه الطوائف. وكذلك أهل الكتابين أهل التوراة والإنجيل توجد هذه المذاهب المتقابلة في النفي والإثبات، وكذلك الصابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابل في النفي والإثبات، حتى إن منهم من يثبت ما لا يثبته كثير من متكلمة الصفاتية. ولكن جنس الإثبات على المتبعين للرسل أغلب من الذين آمنوا واليهود والنصارى والصابئة المهتدين. وجنس النفي على غير المتبعين للرسل أغلب من المشركين والصابئة المبتدعة، وقد ذكرنا مذهب سلف الأمة وأئمتها بألفاظها وألفاظ من نقل ذلك من جميع الطوائف بحيث لا يبقى لأحد من جميع الطوائف اختصاص بالإثبات.

ومن ذلك ما ذكره شيخ الحرمين؛ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي في كتابه الذي سماه:"الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول"، وكان"أي المؤلف"من أئمة الشافعية، ذكر فيه من كلام الشافعي ومالك والثوري وأحمد بن حنبل والبخاري صاحب"الصحيح"وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحاق بن راهويه في أصول السنة ما يعرف به اعتقادهم، وذكر في تراجمهم ما فيه تنبيه على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام، وذكر أنه اقتصر في النقل عنهم دون غيرهم؛ لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوع شرقًا وغربًا إلى مذاهبهم؛ ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها: من جودة الحفظ والبصيرة والفطنة والمعرفة بالكتاب والسنة والإجماع، والسند والرجال والأحوال ولغات العرب ومواضعها، والتاريخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت