ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابه منتسبين إلى السنة والجماعة كان منتحلًا للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتد به متبع لسبيله.
وقصد الشيخ - رحمه الله - بأصحاب أبي الحسن المنتسبين إلى السنة والجماعة من وافق أبا الحسن على رجوعه عن مذهبه الأول إلى مذهب الإمام أحمد في الصفات. أما الذين بقوا على مذهب الأشعري القديم الذي رجع عنه فهؤلاء ليسوا من أهل السنة، بل هم مخالفون لأهل السنة، وهذا المذهب المخالف هو ما عليه الأشاعرة اليوم في العالم الإسلامي.
ثم قال الشيخ - رحمه الله - في رده على ابن الجوزي:
الوجه الثاني: أن أبا الفرج متناقض في هذا الباب لم يثبت على قدم النفي ولا على قدم الإثبات، بل له من الكلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصفات التي أنكرها في هذا المصنف.
الوجه الثالث: أن باب الإثبات ليس مختصًا بالحنبلية ولا فيهم من الغلو ما في غيرهم، بل من استقرأ مذاهب الناس وجد في كل طائفة من الغلاة في النفي والإثبات ما لا يوجد مثله في الحنبلية، ووجد من مال منهم إلى نفي باطل، وكان علم الإمام أحمد وأتباعه من الكمال والتمام على الوجه المشهور بين الخاص والعام ممن له بالسنة وأهلها نوع إلمام، وأما أهل الجهل والضلال الذين لا يعرفون ما بعث الله به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا يميزون بين صحيح المنقول وصريح المعقول وبين الروايات المكذوبة والآراء المضطربة فأولئك جاهلون قدر الرسول والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم القرآن، فهم بمقادير الأئمة المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين؛ إذ كانوا أشبه بمن شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان. وهم في هذه الأحوال أقرب إلى الكفر منهم للإيمان، تجد أحدهم يتكلم في أصول الدين وفروعه بكلام مَن كأنه لم ينشأ في دار الإسلام، ولا سمع ما عليه أهل العلم والإيمان، ولا عرف حال سلف هذه الأمة وما أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصالحة، ولا عرف مما بعث الله نبيه ما يدله على الفرق بين الهدى والضلال والغي والرشاد.
وتجد وقيعة هؤلاء في أئمة السنة وهداة الأمة من جنس وقيعة الرافضة ومن معهم من المنافقين في أبي بكر وعمر وأعيان المهاجرين والأنصار، ووقيعة اليهود والنصارى ومن تبعهم من منافقي هذه الأمة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووقيعة الصابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم من الأنبياء والمرسلين وأهل العلم والإيمان ما فيه عبرة للمعتبر وبينة للمستبصر وموعظة للمتهوك المتحير. وتجد عامة أهل الكلام ومن أعرض عن جادة السلف - إلا من عصم الله - يعظمون أئمة الاتحاد بعد تصريحهم في كتبهم بعبارات الاتحاد، ويتكلفون لها محامل غير ما قصدوه، ولهم في قلوبهم من الإجلال والتعظيم والشهادة بالإمامة والولاية لهم وأنهم أهل الحقائق ما الله به عليم؛ هذا ابن عربي يصرح في"فصوصه": أن الولاية أعظم من النبوة، بل أكمل من الرسالة، ومن كلامه:
مقام النبوة في برزخ * * فويق الرسول ودون الولي
وبعض أصحابه يتأول ذلك بأن ولاية النبي أفضل من نبوته، وكذلك ولاية الرسول أفضل من رسالته، أو يجعلون ولايته حاله مع الله ورسالته حاله مع الخلق.