رجل: أنا. قال: (فمتى مات هؤلاء؟) قالوا: ماتوا في الإشراك. فقال: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) . ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر) . قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: (تعوذوا بالله من عذاب النار) . قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار. قال: (تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن) قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: (تعوذوا بالله من فتنة الدجال) . قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال) (84) .
ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - أحاديث صحيحة في إثبات عذاب القبر. إلى أن قال: قال بعضهم: ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مَغِلَت - والمغل: مَغْصٌ يصيب الدواب بسبب أكلها التراب - فيذهبون بها إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين؛ فإن أهل الخيل يقصدون قبورهم لذلك. فقد قيل: إن الخيل إذا سمعت عذاب القبر حصلت لها من الحرارة ما يُذهب المغَل.
ثم نبه الشيخ - رحمه الله - إلى أن بعض الجهال يظن أن أصحاب هذه القبور من أولياء الله ولذلك يحصل للخيل شفاء عند قبورهم من المغل.
أقول: وهذا ما ضل بسببه كثير من الجهال والضلال عند القبور فقد يحصل لهم شيء من حاجاتهم ومقاصدهم لسبب خفي فيظنون أن هذا بسبب الموتى، وقد يكون ذلك فتنة لهم، أو بسبب تصرف الجن والشياطين لإضلال بني آدم.
يواصل الشيخ (85) - رحمه الله - الكلام في إثبات عذاب القبر ونعيمه فيذكر حديث البراء بن عازب (86) - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلْحد، فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال: (استعيذوا بالله من عذاب القبر) . مرتين أو ثلاثًا، وذكر صفة قبض الروح وعروجها إلى السماء ثم عودها إليه، إلى أن قال: (وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟) ، وفي لفظ: (فيأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي أرسل إليكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به. فذلك قول الله: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم] ، قال:(فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوا له في الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها) . قال: (ويفسح له مدَّ بصره) ، قال: (وإن الكافر) ، فذكر موته، قال: (وتعاد روحه إلى جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه. فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه. هاه. لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه. هاه. لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي فافرشوا له من النار وألبسوه من النار. وافتحوا له بابًا إلى النار. قال ويأتيه من حرها وسمومها. قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه. قال: ثم يقيَّض له أعمى وأبكم معه مرزبة من حديد لو ضُرب بها جبل لصار ترابًا. قال: فيضرب بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابًا، ثم تعاد فيه الروح) .
قال الشيخ: فقد صرح الحديث بإعادة الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه وهذا بيِّن في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين. وقد روي مثل حديث البراء في قبض الروح والمسألة والنعيم والعذاب؛ رواه أبو هريرة (87) وحديثه في"المسند"وغيره، ورواه أبو حاتم ابن حبان في"صحيحه"عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الميت إذا وضع في قبره يسمع خفق نعالهم إذا ولوا عنه