وكذلك قوله: (لأعطين الراية. . .) (17) إلخ، هو أصح حديث يروى في فضله، وزاد فيه بعض الكذابين: إنه أخذها أبو بكر وعمر فهربا. وفي الصحيح: (18) أن عمر قال: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فهذه الحديث رد على الناصبة الواقعين في علي، وليس هذا من خصائصه، بل كل مؤمن كامل الإيمان يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله قال تعالى: {فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] وهم الذين قاتلوا أهل الردة وإمامهم أبو بكر. وفي الصحيح أنه سأله: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال: قال: أبوها) (19) ، وهذا من خصائصه.
وأما قوله: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) ؛ قاله في غزوة تبوك لما استخلفه على المدينة (20) فقيل: أستخلفه لبغضه إياه؛ وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا غزا استخلف رجلًا من أمته، وكان بالمدينة رجال من المؤمنين القادرين، وفي غزوة لم يأذن فلم يتخلف أحد إلا لعذر أو عاص، فكان ذلك الاستخلاف ضعيفًا فطعن به المنافقون بهذا السبب. فبين له أني لم أستخلفك لنقص عندي؛ فإن موسى استخلف هارون وهو شريكه في الرسالة؛ أفما ترضى بذلك؟ ومعلوم أنه استخلف غيره قبله وكانوا منه بهذه المنزلة فلم يكن هذا من خصائصه. ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف على علي ولحقه يبكي.
ومما يبين ذلك أنه بعد ذلك أمر عليه أبا بكر سنة تسع، وكونه بعثه لنبذ العهود ليس من خصائصه؛ لأن العادة لما جرت أنه لا ينبذ العهود ولا يعقدها إلا رجل من أهل بيته. فأي شخص من عترته نبذها حصل المقصود، ولكنه أفضل بني هاشم بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان أحق الناس بالتقدم من سائرهم. فلما أمر أبا بكر بعد قوله: (أما ترضى. . . .) (21) إلخ؛ علمنا أنه لا دلالة فيه على أنه بمنزلة أولئك الرسل. وتشبيه الشيء بالشيء لمشابهته في بعض الوجوه كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب.
وأما قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه) (22) ، إلخ، فهذا ليس في شيء من الأمهات إلا في الترمذي وليس فيه إلا: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (23) وأما الزيادة فليست في الحديث، وسئل عنها الإمام أحمد فقال: زيادة كوفية، ولا ريب أنها كذب لوجوه: أحدها أن الحق لا يدور مع معين إلا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه لو كان كذلك لوجب اتباعه في كل من قال: ومعلوم أن عليًا ينازعه الصحابة وأتباعه في مسائل وجد فيها النص يوافق من نازعهن كالمتوفى عنها زوجها وهي حامل.
وقوله: (اللهم انصر من نصره. . .) (24) ، إلخ؛ خلاف الواقع؛ قاتل معه أقوام يوم صفين فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا؛ كسعد الذي فتح العراق لم يقاتل معه، وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه فتحوا كثيرًا من بلاد الكفار ونصرهم الله.
وكذلك قوله: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) ؛ مخالف لأصل الإسلام؛ فإن القرآن قد بين أن المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغي بعضهم على بعض).
وقوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) ؛ فمن أهل الحديث من طعن فيه كالبخاري وغيره، ومنهم من حسنه. فإذا كان قاله فلم يرد به ولاية مختصًا بها، بل ولاية مشتركة وهي ولاية الإيمان التي للمؤمنين. والموالاة ضد المعاداة.