فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 400

بيّن الشيخ (96) -رحمه الله- اختلاف الناس في أفعال الله تعالى وما هو القول الصحيح في ذلك فقال: نزاع الناس في معنى حديث النزول، وما أشبهه في الكتاب والسنة من الأفعال اللازمة المضافة إلى الرب -سبحانه وتعالى-، مثل المجيء والإتيان والاستواء إلى السماء وعلى العرش. بل وفي الأفعال المتعدية مثل الخلق والإحسان والعدل وغير ذلك؛ هو ناشئ عن نزاعهم في أصلين:

أحدهما: أن الرب تعالى هل يقوم به فعل من الأفعال فيكون خلقه للسماوات والأرض فعلًا فعله غير المخلوق؟ أو أن فعله هو المفعول، والخلق هو المخلوق؟ على قولين معروفين، والأول هو المأثور عن السلف، وهو الذي ذكره البخاري في كتاب"خلق أفعال العباد"عن العلماء مطلقًا ولم يذكر فيه نزاعًا، وكذلك ذكره البغوي وغيره مذهب أهل السنة، وكذلك ذكره أبو علي الثقفي والضبعي وغيرهما من أصحاب ابن خزيمة في العقيدة التي اتفقوا هم وابن خزيمة على أنها مذهب أهل السنة، وكذلك ذكره الكلاباذي في كتاب"التعرف لمذهب التصوف"أنه مذهب الصوفية، وهو مذهب الحنفية وهو مشهور عندهم.

وبعضُ المصنفين في الكلام كالرازي ونحوه ينصب الخلاف في ذلك معهم، فيظن الظان أن هذا مما انفردوا به، وهو قول السلف قاطبة وجماهير الطوائف وهو قول جمهور أصحاب أحمد متقدميهم كلهم وأكثر المتأخرين منهم. وهو أحد قولي القاضي أبي يعلى. وكذلك هو قول أئمة المالكية والشافعية وأهل الحديث، وأكثر أهل الكلام كالهشامية أو كثير منهم، والكرامية كلِّهم، وبعض المعتزلة، وكثير من أساطين الفلاسفة متقدميهم ومتأخريهم.

وذهب آخرون من أهل الكلام الجهمية وأكثر المعتزلة والأشعرية إلى أن الخلق هو نفس المخلوق، وليس لله عند هؤلاء صُنع ولا فعل ولا خلق ولا إبداع إلا المخلوقات أنفسها، وهو قول طائفة من الفلاسفة المتأخرين إذ قالوا بأن الرب مبدع كابن سينا وأمثاله، والحجة المشهورة لهؤلاء المتكلمين: أنه لو كان خلَقَ المخلوقات بِخَلْقٍ لكان ذلك الخلق، إما قديمًا أو حادثًا؟ فإن كان قديمًا لزم قدم كل مخلوق وهذا مكابرة. وإن كان حادثًا فإن قام بالرب لزم قيام الحوادث به، وإن لم يقم به كان الخلق قائمًا بغير الخالق وهذا ممتنع، وسواء قام به أو لم يقم به يفتقر ذلك الخلق إلى خلق آخر ويلزم التسلسل؛ هذا عمدتهم.

وجواب السلف والجمهور عنها بمنع مقدماتها؛ كل طائفة تمنع مقدمة ويُلزمهم ذلك إلزامًا لا محيد عنه:

أما الأولى: فقولهم:"لو كان قديمًا لزم قدم المخلوق"؛ يمنعهم ذلك من يقول بأن الخلق فعل قديم يقوم بالخالق والمخلوق محدث؛ كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية، والحنفية والحنبلية والشافعية والمالكية، والصوفية وأهل الحديث. وقالوا: أنتم وافقتمونا على أن إرادته قديمة أزلية مع تأخر المراد، كذلك الخلق هو قديم أزلي وإن كان المخلوق متأخرًا، ومهما قلتموه في الإرادة ألزمناكم نظيره في الخلق. وهذا جواب إلزامي جدلي لا حيلة لهم فيه.

وأما المقدمة الثانية: وهي قولهم:"لو كان حادثًا قائمًا بالرب لزم قيام الحوادث به وهو ممتنع"؛ فقد منعهم ذلك السلف وأئمة أهل الحديث وأساطين الفلاسفة، وكثير من متقدميهم ومتأخريهم، وكثيرٍ من أهل الكلام كالهشامية والكرامية، وقالوا: لا نسلم انتفاء اللازم.

وأما الثالث: فقولهم:"وإن لم يقم به كان الخلق قائمًا بغير الخالق وهذا ممتنع"؛ فهذا لم يمنعهم إياه إلا طوائف من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم، فمنهم من قال: بل الخلق يقوم بالمخلوق. ومنهم من يقول: بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت