فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 400

مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك! فقال لهم الشيخ: وأيُّ من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه.

فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم - عليه السلام - أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكًا، ولا شمسًا ولا قمرًا ولا كوكبًا. ولا نشرك معه نبيًا من الأنبياء ولا صالحًا: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] ، وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره، مثل إنزال المطر وإنبات النبات وتفريج الكربات والهدى من الضلالات وغفران الذنوب؛ فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم، ونصدقهم في جميع ما جاءوا به، ونطيعهم؛ كما قال نوح وصالح وهود وشعيب: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: 3] ، فجعلوا العبادات والتقوى لله وحده والطاعة لهم؛ فإن طاعتهم من طاعة الله فلو كفر أحد بنبي من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافرًا حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة، واليوم الآخر.

فلما سمعوا ذلك من الشيخ، قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثم انصرفوا من عنده.

وسئل (36) - رحمه الله - عن تقبيل الأرض أمام بعض المشائخ أو بعض الملوك تعظيمًا لهم؟

فأجاب - رحمه الله: أما تقبيل الأرض ورفع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز. بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضًا. كما قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم: الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: (لا) (37) . ولما رجع معاذ (38) من الشام سجد للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: (ما هذا يا معاذ؟) . قال: يا رسول الله! رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم. فقال: (كذبوا عليهم. لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة تسجد لزوجها من أجل حقه عليها. يا معاذ! إنه لا ينبغي السجود إلا الله) . وأما فعل ذلك تدينًا وتقربًا فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينًا فهو ضال مفتر. بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل.

وسئل (39) - رحمه الله - عن النهوض والقيام الذي يعتاده الناس عند قدوم شخص معين معتبر؟

فقال: لم تكن عادة السلف على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه - عليه السلام - كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك: لم يكن شخص أحب إليهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك (40) . ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقيًا له كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قام لعكرمة. وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: (قوموا إلى سيدكم) (41) ، وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة لأنهم نزلوا على حكمه. والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم خير القرون. وخير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا يعدل أحد عن هدي خير الورى وهدي خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع أن لا يقر ذلك مع أصحابه بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت