والناظر في كتب الحديث -على اختلاف أغراض وطرق تدوينها-، وما ذكره أهل العلم فيما لكل صحابي من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يلحظ أن منهم المكثر، ومنهم المقل، ولهذا أسبابه، ومنها:
أولًا: تفاوتهم في مقدار ما تحملوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لتفاوتهم في مقدار صحبتهم له، وسماعهم منه، وحفظهم لحديثه. ثانيًا: تفاوت أعمارهم طولا، وقصرا. ثالثًا: خوف بعضهم من الغلط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واتهامهم لحفظهم الجيد عنه .. . وهذا من تورعهم -رضي الله عنهم-. رابعًا: تولي بعضهم الخلافة، أو ولايات للمُسلِمين، وانشغالهم بتدبير أمور المُسلِمين، وتصريف أحوالهم، ورعاية شئونهم. خامسًا: اشتغال بعضهم بالعبادة، وانصرافهم إليها. سادسًا: اشتغال بعضهم بالجهاد في سبيل الله .. . ولم يتفرغ هذان الصنفان للتحديث لعلمهم أن غيرهم قام مقامهم في تبليغ ما عندهم من علم [1] .
قال الإمام أحمد [2] : (وأكثرهم رواية ستة: أنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة) ، وزاد ابن كثير [3] عبدالله بن عمرو، وأبا سعيد، وابن مسعود. قال ابن الصلاح [4] : (أكثر الصحابة حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أبو هريرة. روي ذلك عن سعيد بن أبي الحسن، وأحمد بن حنبل) اهـ. وذكر جماعة من المصنفين في الصحابة عدد ما لكل واحد من الحديث، وغالبهم اعتمد على ما ذكره ابن حزم في أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد، أو ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر، اعتمادا على ما وقع لكل منهم في مسند بقي بن مخلد (ت/276 هـ) ؛ لأنه من أجمع المسانيد، ورتبه على طريقة مبنية على الإكثار، أو الإقلال في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر أولًا أصحاب الألوف، ثم أصحاب الألف، ثم أصحاب المئين، وهكذا إلى أن ذكر من روي عنه حديثان، ثم من روي عنه حديث واحد -وهم الأغلب- [5] . ولبعضهم [6] :
(1) وانظر: محاضرات التازي (1/ 158) ، والسنة ومكانتها في التشريع (ص 75 - 77) ، وَصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ص/135 - 137) .
(2) كما في: اختصار علوم الحديث لابن كثير (2/ 507) ، وانظر: فتح المغيث (4/ 102 - 103) ، والغاية (1/ 384 - 385) .
(3) كتابه المتقدم (2/ 512) .
(4) علوم الحديث (ص/261) .
(5) وانظر: فتح المغيث (4/ 102 - 103) ، والباعث الحثيث (2/ 509 - 512) .
(6) كما في: الغاية للسخاوي (1/ 385) .