أفضل الناس وأنبلهم، وأنبههم ذِكرًا، وأظهرهم فضلًا، وأبعدهم صيتًا وغاية في مراتب الدين، وشرف الدنيا عند الله-تعالى- بعد أنبيائه، ورسله: أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اختارهم لصحبة نبيه، والاقتداء به، وضبط الشريعة، وحفظها، والصدق في تبليغها، والجهاد لإظهارها، ونشرها. نوّه بدرجاتهم الرفيعة، وأقدارهم الشريفة في القرآن، والتوراة، والإنجيل. وسبق لهم على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من المزايا وَالرُّتب ما ليس لأحد بعدهم؛ لإخلاصهم، وقوة إيمانهم، ولسابقتهم الجليلة في الدين والهجرة، والجهاد والنصرة، والإبلاغ والمتابعة، وسلامة أحوالهم، وبراءتهم من المغامز، والمطاعن .. .يقول ابن عبدالبر [1] : (إنما وضع الله -عز وجل- أصحاب رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالموضع الذي وضعهم فيه بثنائه عليهم من العدالة، والدين، والأمانة، لتقوم الحجة على أهل الملة بما أدوه عن نبيهم من فريضة، وسنة، فصلى الله عليه، ورضي عنهم أجمعين، فنعم العون كانوا له على الدين، في تبليغهم عنه إلى من بعدهم من المُسلِمين) اهـ. ويقول ابن القيم [2] -رحمه الله-: (فلا ريب أنهم كانوا أبرّ قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا .. . لما خصهم الله-تعالى- به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وسرعته .. وحسن القصد، وتقوى الرب -تعالى-) اهـ [3] . فمحبتهم، وتوقيرهم، ونشر مناقبهم، وبثّ محاسنهم، وإذاعة خصائصهم، وفضائلهم، وحميد سيرتهم، والتعريف بهم، وبحقوقهم، وما يجوز فيهم، وما لا يجوز، والحث على الاقتداء بهم دين، وإيمان، وعلامة من علامات أهل السنة والجماعة، المتمسكين بكتاب الله-عز وجل-، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على وفق فهم السلف الصالح -رضوان الله تعالى عليهم-.
ولذا اتجه كثير من أهل العلم المتقدمين، والمتأخرين إلى الكتابة عن الصحابة -رضي الله عنهم- فكتبوا فيهم المؤلفات الدائرة، والتصانيف السائرة، وسلكوا لذلك سبلا متعددة، وأنتجت جهودهم عددًا من الكتابات، أو المؤلفات، والمصنفات -الكبيرة، والصغيرة- في
(1) التمهيد (1/ 7) .
(2) إعلام الموقعين (4/ 148 - 149) ، وله في إغاثة اللهفان (1/ 236 - 237) قصيدة لامية جيدة في وصف أحوال الصحابة -رضي الله عنهم-، والحض على اتباع سبيلهم. ونقلها عنه السلمان في: الكواشف الجلية عن معاني الواسطية (ص/687) .
(3) وانظر: الاعتصام للشاطبي (2/ 263) .