محمد بن حامد الأحمري
(إذا اختلف اللصان ظهر المسروق) وذلك مثل القذافي والدول الغربية،
فليس أسوأ من جنون القذافي وعدوانه على ممتلكات الناس وحرياتهم إلا الغرب في
تعامله مع العالم، يزرعون الرعب والجور، وينصرون اليهود، ويغضون الطرف
عن جرائمهم، ويجعلون شعبًا كالشعب الليبي يضع يده على قلبه ويرقب الساعة
التي تدك فيها طائراتهم طرابلس أو سواها كما حدث في عام 1986م.
إن الشعب الليبي لا شك هو الضحية، وهو الذي صودرت حرياته وبددت
ثروته، وهجر كثير من أبنائه بحثًا عن الحرية لدينهم، أو التماسًا لفرص حياة
مستقرة بعيدًا عن المسرح الجنوني الذي يديره القذافي كل يوم منذ ثلاث وعشرين
سنة، وقد قال أحد المواطنين الليبيين يصف الحال الذي عاشته البلاد:(إن
الآخرين لا يتصورون مدى معاناتنا، إننا شعب يعيش في عذاب يومي منظم من
الصباح حتى المساء)، وهذه الكلمة المعبرة تكاد تختصر تاريخ القذافي ومفاجأته
الدائمة، أصيب بعقدة العظمة والكبرياء، فسمى جمهوريته بخمسة أسماء، وغير
التاريخ الهجري والميلادي، وغير أسماء الشهور، ولما قل المال بيده جعل الشهر
خمسة وأربعين يومًا، ورأى نفسه إمامًا للمسلمين، وأيضًا فيلسوفًا للنظرية العالمية
الثالثة، وطبع ملايين النسخ من الكتاب الأخضر، وأنشأ معاهد لدراسته، وجعله
ثقافة للشعب الليبي، وبدد الملايين من الدولارات في أفريقيا وغيرها حتى يدرس
الناس أفكاره، وكتب الكتاب على الصخور، وأمر بدفنه في الصحارى، حتى إذا
جاءت قرون متأخرة وجدت هذا الفكر الغريب محفوظًا لها. ولا يتسع المجال
لشرح عقدة الكبر والعظمة عنده، فهي مسألة إجماع لمن علم أحوال هذه البلاد،
ويكفي نموذجًا لذلك أنه يمنع نشر أسماء الوزراء وممثلي اللجان الشعبية ولاعبي
كرة القدم حتى لا يشتهروا فينافسوه الشهرة.
وأمر آخر يهم المسلمين إدراكه في قصة القذافي مع الدول الغربية، أن
الحصار الجوي المفروض الآن - وربما أي حصار قادم يراد فرضه على القذافي -
لا يمس شخصه، ولكنه الضرر البالغ يقع على الشعب ويزيد من آلام الناس وسوء
حالهم، ولن يشعر به القذافي وحاشيته، واللص الثاني يدرك عمق هذه التصرفات
فإذلال الشعوب وإقناعها (إقناع كل أفرادها) بأن الغرب هو الذي يجب أن يطاع
وأن تخضع له القلوب والعقول من الشعوب قبل الحكام، تلك رسالة مهمة يرجو
المحاصرون إيصالها إلى أعماق كل محاصَر، حتى لا يفكر في يوم من الأيام
بمخالفة السادة هناك.
أما معمر القذافي فإنهم حين يثقون بالمعارضة فعلًا وأنها قادرة ومضمونة من
أي توجه إسلامي فلربما حسموا من خلالها أمرهم مع القذافي.
والمسألة الإسلامية في قضية ليبيا ذات بعد يجدر بالمسلمين وعيه وألا يلدغوا
من نفس الحجر مرات عديدة، لقد جعل القذافي من نفسه محاربًا للإسلام والمسلمين
بلا هوادة، وألقى عليهم الألقاب اللاذعة القذرة التي لا يقولها إلا لسان فج كلسانه
سماهم (الكلاب الضالة) وسماهم إخوان الشياطين، لكنه لما حوصر تذكر الإسلام
وغازل العدو بقوله أنه وقف وما زال ضد الأصولية والأصوليين متملقًا للغربيين
بهذه الكلمات التي تعني: أبقوني بالله عليكم وسأحارب الإسلام كما تريدون، ثم هدد
مرة أخرى وقال بأسلوب تملق طفولي غريب: إن الأصوليين والجماعات الأصولية
عرضت علي أن أكون قائدًا لها لأنه ينقصها وجود قيادة، وقال إنه رفض هذا
العرض. ثم كانت خاتمة المطاف في صلاة عيد الفطر عندما خطب الناس في العيد
وقال إنه سيعلن الخلافة الفاطمية في ليبيا، نفسها طريقة واحدة للمستبدين يفهمون
الإسلام وسيلة للاستمرار والسخرية بالجماهير الساذجة، يحارب الإسلام طوال
حياته وبكل وسيلة حتى إذا خاف الغرق ذكر الله كاذبًا لا مخلصًا له الدين، ولكن
واستمراءًا للعبة المداورة والعبث والنفاق للغرب مرات عديدة والكذب على
الساذجين في عالمنا المسكين.
إن الغرب اليوم يلعب على أكثر من حبل بديل منها الجبهة ومنها ورثة
السنوسية ومنها ضباط القذافي، وشرط الوراثة البعد عن الإسلام الذي يسميه
الغرب الأصولية. وليس للشعب أي حق في اختيار من يرث القذافي، حقه فقط
كالشعوب العربية الأخرى أن يرقب الجلاد من الداخل متى سيجلده، أو يهدده أو
يغتصب ماله أو يمارس عملًا جنونيًا مريعًا، وأن يرقب اللص الخارجي متى يرسل
عليه صاروخًا قاتلًا أو مستبدًا وريثًا، أو أن يقطع عنه الطعام والشراب ويحرمه
حق التنقل ويغلق عليه السبل.
لله ما أعجب هذه الشعوب المسلمة المسلوبة كل حق إلا حق توزيع التملقات
لكل قادم ومستبد، يصب المتسلطون العذاب على الرؤوس فما تحير جوابًا، وإذا
خلت هذه الجموع إلى نفسها عاذت بالبكاء على حظها العاثر وحزنها المقيم،
تتهامس وتتخافت بالإشارة إلى اللص الأول مرة، وإلى الثاني مرة، ولكن الهوان
أوهى العظام، وقعد بالهمم وهلعت النفوس فما تطيق حراكًا ففي داخل البلدان همس
وشكوى وزفرات خافتة ويد مكبلة أو يتوهم صاحبها أنها مكبلة، وفي الخارج السنة
طويلة وكلام كثير.
وإذا لم يزُل هذا الظالم رغم ذله وانتهاء قدرته فمتى يزيل الناس عنهم الظلم؟
وإن وقوف الشعب يتساءل: ماذا يريد القذافي من جهة، وماذا تريد به الدول
الغربية من جهة أخرى، لموقف محزن.