فهرس الكتاب

الصفحة 4550 من 5925

الافتتاحية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين،

أما بعد:

فلقد كشفت حرب الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان القناع عن وجه

كالح عبوس يُضمر الحقد والظلم، ويتعامل مع المستضعفين بكل استعلاء

وصلف وغرور، وبقي ستار رقيق تدثرت به أمريكا، واجتهدت وسائل الإعلام

الأمريكية في تلميعه وتزييفه، وتبعتها بعض وسائل الإعلام العربية في تسويقه

وترقيعه! ثم جاءت الحرب (الأمريكية البريطانية) على العراق لتنزع ذلك الستار

بشدة، ويظهر ذلك الوجه الصليبي الحاقد على حقيقته الكاملة بلا تزييف أو

تضليل!! قال الله تعالى: [قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر]

(آل عمران: 118) .

بدأت المعركة بعدوان (أمريكي بريطاني) شرس على العراق.. عدوان

تجاوز كل المقاييس الإنسانية؛ ليمارس أبشع ألوان الجبروت والطغيان. ولئن

كانت أرض بغداد والموصل والبصرة والناصرة تتزلزل بشتى أنواع الأسلحة

وحشية؛ فإن قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها تتزلزل إشفاقًا ورحمة

للمسلمين المستضعفين من النساء والولدان والشيوخ الذين لا يملكون حيلة ولا

يهتدون سبيلًا، [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] (التوبة: 71) .

وإزاء هذه النازلة الخطيرة التي تمرّ بها الأمة نقف هذه الوقفات:

أولًا: إنَّ الأمة الإسلامية في هذه المرحلة الحرجة أحوج ما تكون إلى

الالتجاء إلى الله تعالى، والتوكل عليه سبحانه، فهو عزَّ جاهه وتعالى سلطانه

المنجا والملجأ لأوليائه المؤمنين، قال الله تعالى:[فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ

الرَّاحِمِينَ] (يوسف: 64) . ولجوؤنا إلى الله تعالى ليس لجوء اليائس الذليل أو

المُحْبَط الكسير؛ لكنه لجوء المؤمن الصادق الذي يركن بكل اطمئنان إلى حول الله

وقوته، ويعتقد يقينًا بأن الطمأنينة والسكينة لا تكون إلا في جنب الله، قال الله

تعالى: [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ]

(الرعد: 28) .. لجوء المؤمن الذي يؤمن بأن المدافعة بين الحق والباطل سُنَّة

دائمة ما دامت السموات والأرض، وأن نصر المؤمنين لا يكون إلا بتعظيم كتاب

الله تعالى، والتمسك به علمًا وعملًا، [فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا]

(الفرقان: 52) .

ثانيًا: يجب أن يستثمر العلماء والدعاة هذه الأحداث ببيان أن ما أصابنا لم

يكن ليخطئنا، وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن ما أصابنا فبما كسبت أيدينا،

قال الله تعالى: [وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ]

(الشورى: 30) ، وقال تعالى:[أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى

هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ] (آل عمران: 165) .

ولهذا يجب أن يُذَكَّر الناس بضرورة العودة إلى دين الله عز وجل عودًا صادقًا؛

ليكشف الله عنهم البلاء، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، ومن بعد ضعفهم قوة، قال

الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد: 11) .

ثالثًا: إنَّ ذلك الظلم الصارخ الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية

وبريطانيا على المسلمين على الرغم من الأذى الشديد الذي يترتب عليه؛ فإن عاقبته

ستكون خيرًا بعون الله تعالى، وسيكون بابًا عظيمًا من أبواب يقظة الأمة ونهوضها

من غفلتها وكبوتها.

إنَّ ثمة حقيقة مهمة يجب الالتفات إليها: وهي أن التحدي الشديد الذي

وُوجهت به الأمة أثمر هزَّة عنيفة في صفوف المسلمين، وأيقظ كثيرًا منهم من

سباتهم، وأشعرهم بحقيقة ما يُحاك ضدهم في وضح النهار..!!

والأمة بجميع طبقاتها تشهد ولله الحمد وعيًا كبيرًا بدأ يتنامى بشكل مطرد؛

منذ أن صرح الرئيس الأمريكي بحقيقة الحرب التي ستخوضها الولايات المتحدة

الأمريكية على الإرهاب. وإنَّ من أولى الأولويات في المرحلة القادمة استثمار هذا

الوعي وترشيده، ثم توظيفه في السعي الحثيث إلى بناء الأمة وإعادة تشكيل

صفوفها، وإنَّ المظاهرات الحاشدة التي شهدتها العواصم العربية والإسلامية

استنكارًا للحرب الجائرة؛ تدل بحمد الله على خير كبير ومخزون عظيم في شعوبنا

المسلمة؛ فهي تمتلئ غيرة وحمية على دين الله تعالى وحرماته.

وإنَّ من التحديات الكبيرة التي تواجه الدعاة والمصلحين: توظيف تلك

الحميات المتقدة في برامج عمل جادة لنصرة دين الله تعالى، والذبِّ عن بيضتها

ومقدساتها.

لقد جربت الشعوب العربية الشعارات الثورية التي كانت تتشدق بها الأحزاب

العلمانية العربية؛ فلم تجنِ منها إلا العلقم، وتاهت بها في شعاب الهزيمة والذلة،

وقد آن الأوان لأن يتصدر أبناء الصحوة الإسلامية ويمسكوا زمام الأمور، ويكونوا

على مستوى المسؤولية، ويوظفوا طاقات الأمة توظيفًا صحيحًا بعيدًا عن التباكي

والصياح والتلاوم، وما أجمل قول الشاعر:

قد رشَّحوك لأمر لو فطنتَ له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ

رابعًا: لقد خدعنا الإعلام الغربي وأبواقه العربية ردحًا طويلًا من الزمن،

وصوَّر لنا أن الحضارة الأمريكية هي قمَّة السمو الإنساني، وأن القيم الغربية لا

يدانيها قيم على الإطلاق، أو كما يزعم فوكوياما في (نهاية التاريخ) بأنها الصورة

النهائية لنظام الحكم البشري!

وعندما كان بعض المصلحين في وقت مضى ينتقد الحضارة الغربية بشتى

مدارسها؛ يواجهه بعض أبناء جلدتنا العلمانيين والمستغربين بعاصفة من السخرية

والاستهزاء؛ فالحضارة الغربية عندهم هي قمة الطموح الذي يتطلعون إليه!!

أما وقد تكشَّفت الحقيقة وسقطت الأقنعة؛ فمن يجرؤ الآن من أولئك العلمانيين

على تقديم النموذج الغربي مثالًا على التحضر؟! حتى غلاة العلمانيين اضطروا

للتجاوب مع الواقع، وانتقدوا على استحياء منظومة القيم الغربية، لكن بعضهم

يصرّ في الوقت نفسه على غيّه ويمكر بنا ثانية، ويحدثنا بأن ما نشهده من سخرية

بمبادئ العدل وحقوق الإنسان؛ إنما هو موقف شريحة محدودة من الصقور، وأن

أغلب المثقفين والمفكرين الغربيين لم يفقدوا توازنهم..!!

ولهذا نحسب أن هذه الأيام فرصة من أعظم الفرص لتحقيق مطلبين في غاية

الأهمية:

الأول: إبراز عوار قيم الحضارة الغربية التي افتُتن بها كثير من المنهزمين

عندنا.

الثاني: إبراز عوار التوجهات العلمانية التي سقطت في مستنقع التبعية، ولم

تعرف سوى استنساخ قيم الغرب أو الشرق.

ويتبع ذلك بناء العزة والثقة بدين الله تعالى، والعضِّ على عقيدة الأمة

بالنواجذ.

خامسًا: الحرب على العراق بداية المرحلة الأمريكية في الحرب على أهل

المنطقة، والأيام حبلى بمراحل خطيرة في الصراع القادم، ونحسب أن من أخطر

هذه المراحل المقبلة مرحلتين:

الأولى: التواطؤ مع العدو اليهودي لسحق الفلسطينيين وإثارة الإحباط في

صفوفهم، وإنهاء ما يسمى بـ (الصراع العربي الإسرائيلي) .

ولئن تمخضت حرب الخليج الثانية عن مؤتمر السلام في مدريد؛ فإن المتوقع

أن تتمخض حرب الخليج الثالثة عن مشروع أبعد خطرًا وأبلغ أثرًا..!

الثانية: مواجهة التديُّن في المنطقة العربية، وفتح كل أبواب التغريب

والإفساد والحرب على القيم والأخلاق، ويتبع ذلك تحجيم للعمل الإسلامي،

وتضييق على أبواب الدعوة والخير. فمع وقوع الحرب ضد العراق، قد تنفتح

مرحلة جديدة من الحرب العالمية والإقليمية ضد الإسلاميين، ضمن ما يسمى بـ

(الحرب على الإرهاب) وقد آن لنا، بكل ألواننا وأطيافنا ومناهجنا الدعوية

والحركية أن نعيد النظر في مرحلة الخطر، فنراجع برامجنا وعلاقتنا ومناهجنا

التغييرية بما يتناسب مع تلك النوازل الجديدة، مؤمنين مع ذلك كله بفضل الله علينا

وعونه، ومستجيرين بقوته وحوله، ومعتقدين يقينًا بأن الدين منصور بلا ريب،

وأن الأمة ولله الحمد تملك إمكانات دعوية كبيرة، وأنها قادرة بإذن الله تعالى على

رفع راية التوحيد، والثبات على الحق.

سادسًا: من الواجبات المهمات في هذه المرحلة استنهاض الهمم لنصرة

المستضعفين من أهلنا وأحبابنا في العراق، وإغاثتهم ومواساتهم، والتخفيف من

مصابهم، وإمدادهم بكل ما يحتاجونه من الدواء والغذاء، فـ(المسلم أخو المسلم لا

يظلمه ولا يُسلمه) [1] ، وفي رواية: (ولا يخذله) [2] .

فلك الله يا شعب العراق.. لك الله يا شعب العراق!

وصلى الله على محمد وآله وسلم.

(1) أخرجه البخاري، رقم 6437.

(2) أخرجه مسلم، رقم 4650.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت