قضايا ثقافية
الطاغية والطغيان
من خلال قصة فرعون
محمد حسن بريغش
الطغيان آفة من الآفات التي تنزل بالأقوام والشعوب فتدمر كيانها، وتهلك
أهلها، وتأتي على الأخضر واليابس فيها، وحين يزداد الطغيان بين الناس،
وتستشري شروره ثم يركن الناس إلى الطغاة، ويستمرئون الخضوع والاستكانة
لمظالمهم وطغيانهم، يعمهم الله بالعذاب، ويحاسبهم على ذلك محاسبته للطغاة
أنفسهم.
ولقد كان فرعون مثلًا صارخًا للطاغية المتجبر، وكان قومه صورة للأقوام
التي خضعت وتابعت الطاغية، ووصل الأمر بفرعون إلى ادعاء الألوهية
والاستخفاف بعقول الناس، والإعراض عن كل الآيات التي جاءته من الله حتى
أهلكه الله وقومه.
ووردت قصة فرعون في سبع وعشرين سورة، فضلًا عن الإشارة إليها في
ثنايا بعض السور الأخرى [1] وعرضتها الآيات مفصلة ومقتضبة، وعرضت
صورًا لطغيان فرعون وضلالاته وبغيه وكفره.
وأمرُ فرعون مثلٌ لكل طاغية يجاوز الحد في الظلم والتجبر والاستبداد
والمعصية، والاستخفاف بعقول الناس وإرادتهم ومصالحهم، وكلما أنس منهم
السكوت على ظلمه، والخضوع لبغيه وعدوانه ازداد صلفًا وتجبرًا وتمردًا، حتى
يصل إلى التألُّه، وادعاء الإرادة المطلقة في مصائر الناس من حوله.
ولكي نبين ملامح الطغاة، ونتذكر بعض صور طغيانهم ووسائلهم نستعرض
عددًا من الأمور التي نستخلصها من الآيات الكريمة التي وردت في معرض الحديث
عن فرعون وقومه:
1 -ما هو الطغيان وما تعريفه وحدوده؟
يقول اللغويون عن هذه المادة ما يلي:
طَغَا يَطْغَى، ويطغو طُغيانًا: جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغٍ.
وعن الليث أن الطاغية: الجبار العنيد.
وعن ابن شميل: أنه الأحمق المستكبر الظالم [2] .
وورد أن الطغيان معناه: مجاوزة القدر والغلو في الكفر، والإسراف في
المعاصي [3] .
القرآن يفضح الفراعنة:
وفرعون في التاريخ المصري رجل عاتٍ كانت الأمة المصرية تدين بعبادته
وتذعن لقداسته، وكان الملوك الفراعنة في قديم الزمان يحيطون أنفسهم بهالة من
التقديس، ويضعون مكانتهم في إطار من الإلهية، لا جهلًا منهم بأنهم أناس لا
يختلفون عن غيرهم، ولكنهم يفعلون ذلك تمويهًا على العامة حتى يأمنوا غائلة
الثورات الهوج من الذين يطمعون في تبوُّؤ عرش الملك [4] .
وحيث وردت قصة فرعون في عدد كبير من السور والآيات وفُصِّلت ذلك
التفصيل في مناسبات كثيرة، فإن الوقوف عندها سوف يعطي القارئ المسلم ملامح
ذلك الطاغية، وصور ذلك الطغيان لتكون مَعْلَمًا له في معرفة الصور المشابهة في
كل عصر ومصر، مهما اختلفت الألوان، وتغيرت العناوين والشعارات؛ لأن الله
عز وجل لم يقصَّ على عباده المؤمنين إلا لكي يتعظوا ويعتبروا ويتدبروا أمرهم فلا
يقعوا فيما وقع فيه الأقوام، وحتى لا ينالهم من الله العذاب.
[كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ
أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْرًا] (طه: 99-100) .
[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ] (يوسف: 111) .
سمات الطاغية:
ومن استعراض الآيات القرآنية يتبين لنا كثير من سمات مَنْ يكون فرعوني
النهج، ومن أهمها:
أولًا: أنه يحكم بغير ما أنزل الله عز وجل ويجعل من نفسه معبودًا من دون
الله عز وجل يتحكم بالناس، ويأمرهم أن يطيعوه، ويشرع لهم ما يراه متفقًا مع
أهوائه ومصلحته ويدعي أنه الخير لهم.[وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم
مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ
مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ] (القصص: 38) .
[وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي
مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ]
(الزخرف: 51-52) .
وهذا الادعاء ناتج عن الغرور بما أعطاه الله من الملك والمال والقوة والنعيم،
والحاشية والأتباع.
ولكن ذلك مقترن أيضًا بخضوع الناس للطاغية، وسكوتهم عن مظالمه،
وخوفهم من سطوته وجبروته، وانكبابهم على الأمور المادية، والمنافع الدنيوية،
ونسيانهم لآخرتهم مما يجعلهم مستعبدين للظالم وأتباعًا للطاغية كما فعل أتباع
فرعون وقومه.
ثانيًا: أنه يفتخر بما يملك من مال، أو قوة، أو ملك، أو تقدُّم مادي وينسى
مصدر ذلك كله، وينسبها لنفسه معتمدًا على حب الناس لمتاع الدنيا، ولذلك افتخر
فرعون بأنه يملك الأرض الخضراء، ولديه الماء والأنهار والسلطان[وَنَادَى
فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ
تُبْصِرُونَ] (الزخرف: 51) .
وعندما أراد أن يقنع قومه بأنه المعبود لهم من دون الله، وأن دعوة موسى
عليه السلام لا تنفعهم ولا تفيدهم، استخدم هذا الأمر الذي يملك أفئدتهم، ويسد
عليهم طريق الهدى فقال:[فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ
مُقْتَرِنِينَ] (الزخرف: 53) .
والناس المضللون الذين استعبدهم الطغاة وأذلوهم حتى أفسدوا فِطَرَهم
يستجيبون لمثل هذه المغريات، ويذعنون لحواسهم القاصرة، وينكرون ما لا تصل
إليه حواسهم، ويعطلون عقولهم.
ثالثًا: الطغاة ينكرون الغيبيات، ويعادونها؛ لأن ذلك يتعارض مع ما يريدون
ولأن إيمان الناس بالغيب يحررهم من أسر العبودية لجبروت الظالمين، ويفسح
أمامهم النظر في ملكوت الله عز وجل فيعرفون أن هناك مالكًا قديرًا، وأن هؤلاء
الطغاة بشر مخلوقون مثلهم انحرفوا عن شرع الله وتجبروا وظلموا، وأنهم سوف
يمضون بعد حين ليواجهوا مصير العذاب؛ لأن الله وحده يملك المصير، ويملك
الموت والحياة.[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا
وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ
بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ] (آل عمران: 10-11) .
رابعًا: أنه يكذب بآيات الله، ويعادي الرسل والدعاة وأولياء الله عز وجل،
وينكل بهم، ويرميهم بشتى التهم والأباطيل:[ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحَقُّ مِنْ
عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ
يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ] (يونس: 75-77) .
ولا تنفع الوسيلة الليِّنة، والخطاب الشفوق مع الطاغية؛ لأنه متجبر لا
يصغي لغير نفسه. ها هو موسى وهارون عليهما السلام يخاطبان فرعون
بالخطاب اللين الرشيد، ولكنه تجبر وتكبر، وأرعد وأزبد، وهدد كل الخارجين
على سلطانه.[اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
يَخْشَى] (طه: 43-44) .
ثم إن الطاغية لا يستمع للبرهان القاطع، ولا يصغي للحجة المقنعة ولا يفهم
معنى الآيات الدالات والمعجزات الباهرات، بل يقابل ذلك بالتجبر، والتهديد،
ورمي أولياء الله بشتى التهم كما فعل فرعون عندما حاجَّه موسى وبيَّن له أن الله
المعبود حقيقة هو الخالق المدبِّر [قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى]
(طه: 50) ، [قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ] (الشعراء: 23) ،[قَالَ رَبُّ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ] (الشعراء: 24) ،[قَالَ رَبُّكُمْ
وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ] (الشعراء: 26) ،[قَالَ رَبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا
بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (الشعراء: 28) .
فماذا كان رد فرعون عندما واجهه موسى عليه السلام بهذه الحجج التي لا
يملك ردها؟
لقد هدده وتوعده فقال:[قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ
المَسْجُونِينَ] (الشعراء: 29) .
ولكن موسى لم يَخَفْ هذا التهديد، بل قدَّم لفرعون الآية تلو الآية لعله يخشى
ويعود إلى الحق،[فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ
لِلنَّاظِرِينَ] (الشعراء: 32-33) .
وظلت الآيات تترى واحدة إثر أخرى، والطاغية لا يستمع ولا يرعوي حتى
أهلكه الله وقومه الظالمين، ونجَّى موسى وقومه المؤمنين.
خامسًا: والطاغية يلجأ إلى كل المحاولات الظالمة للتنكيل بالمعارضين
والبطش بالدعاة إلى الله، ولا يمنعه شيء من ارتكاب كل جريمة مهما بدت منافية
للخلق والمنطق،[وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ
وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ
آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي
أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ]
(غافر: 23-26) .
أتباع الطاغية ومواقفهم:
ولكل طاغية أعوان: منهم من يعين بالرأي للتضليل والإفساد وتزيين الباطل
للناس وإنفاذ رغبات الطاغية مثل (هامان) ، ومنهم من يعين بالمال، ويستغل
ويزداد كنزًا وغنى من المال (كقارون) [إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا
خَاطِئِينَ] (القصص: 8) .
[وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ
عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ]
(القصص: 38) .
ومع هذا الوزير الطاغية أيضًا حشد من الجنود والأعوان والأتباع التي تنكل
بالناس، وترصد حركاتهم، وتبطش بهم، وتتعالى على الناس بما لديها من قوة
وسلاح وسلطان[وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ
يُرْجَعُونَ] (القصص: 39) .
ولكن الله لهؤلاء بالمرصاد: للطاغية وأعوانه ولكل من يشايعه ويخضع له
[فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ
أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً
وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُم مِّنَ المَقْبُوحِينَ] (القصص: 40-42) .
وهذه الآيات تضع للناس معالم الطريق في الحياة كي لا يكون لهم حجة في
اتباع الظالمين، والخضوع للطغاة والجبارين، أيًا كانت الأسباب والحجج؛ لأن في
ذلك إنكارًا لقدرة الله وألوهيته وربوبيته، وتكذيبًا لما عنده في الدنيا والآخرة؛
فالمؤمن لا يخشى إلا الله، ولا يخضع إلا لسلطانه، ولا يرضى بغير الحق، ولا
يشايع الباطل والظلم والطغيان حتى لا يرد مورد الطغاة كما حل بفرعون وقومه.
ولذلك ضرب الله لنا أمثلة رائعة من إنكار المنكر والتبرؤ من الطغيان
والطاغية والخروج عن طغيانه، وعدم الاكتراث بما يحل بالمنكرين والمتبرئين من
أذى في الحياة؛ لأن ما عند الله خير وأبقى.
فهذه امرأة فرعون وهي أقرب الناس إليه تتبرأ منه، وتكشف باطله وتدعو
الله عز وجل أن يبدلها الجنة، ويورثها المغفرة بدلًا مما هي فيه، لم تخش جبروت
الطاغية ولم تضللها أكاذيبه، ولم تغرها الأبهة والملك والجبروت والزينة في الدنيا
[وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي
الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ] (التحريم: 11) .
وأخيرًا:
وبعد هذا العرض السريع للطاغية والطغاة مُمَثَّلًا بفرعون وقومه يتبين لنا أن
«الفساد يصيب تصورات الناس كما يصيب حياتهم الاجتماعية حين يكون هناك
أرباب متفرقون يتحكمون في رقاب العباد من دون الله، وما صلحت الأرض قط
ولا استقامت حياة الناس إلا أيام كانت عبوديتهم لله وحده: عقيدة وعبادة وشريعة،
وما تحرر الناس قط إلا في ظلال ربوبيته الواحدة» [5] .
إن نسيان ذلك من الناس يضللهم في الحياة فيجعلهم أشياعًا للباطل وجنودًا
للطغاة الظالمين الذين لا يكفُّون عن تسخيرهم لغير ما أراد الله وامتلاك إرادتهم
وقلوبهم وعقولهم.
إن أصناف الطغيان كثيرة، وأنواع الطغاة متعددة؛ فإذا كان بالأمس فرعون
ففي الحياة كثير من أصناف الفراعنة، «وعلى كل ما عُرف من طغيان فرعون
فقد كان في تصرفه هذا أقل طغيانًا من طواغيت كثيرة في القرن العشرين في
مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين، وتهديد لسلطان الباطل بهذه الدعوة
الخطيرة» [6] .
فهل يستيقظ الناس وهم يعيشون محنة من أقسى ما عرف العالم الإسلامي من
المحن، ويمرون في حنايا فتنة كبيرة نسأل الله عز وجل أن يجعلها نصرًا للحق
والإسلام والمسلمين؟ وكل ذلك بفعل الطغيان، وتصرفات طاغية جبار دفعه
طغيانه إلى ارتكاب أبعد صنوف الشرور وأقسى أنواع المظالم.
(1) وردت قصة فرعون في السور التالية:(البقرة، آل عمران، الأعراف، الأنفال، يونس، هود، إبراهيم، الإسراء، طه، المؤمنون، الشعراء، النمل، القصص، العنكبوت، ص، غافر، الزخرف، الدخان، ق، الذاريات، القمر، التحريم، الحاقة، المزمل، النازعات، البروج،
الفجر).
(2) لسان العرب، 15/7 9، طبعة دار إحياء، بيروت.
(3) القاموس المحيط، 1684، ط 1، 1406هـ 1986م، مؤسسة الرسالة بيروت.
(4) قصص الأنبياء، ص 182، عبد الوهاب النجار، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(5) في ظلال القرآن، 3/1345.
(6) في ظلال القرآن، 3/1348.