فهرس الكتاب

الصفحة 1577 من 5925

شؤون العالم الإسلامي

طاجكستان

تدخل النفق الأفغاني

د. مالك إبراهيم الأحمد

توطئة:

مع دخول العام الثاني لاستيلاء الشيوعيين على الحكم في طاجكستان، وما

رافق ذلك من مأساة إنسانية بالغة، تدخل القضية الطاجكية النفق الأفغاني، حيث

أصبحت أفغانستان منطلقًا للمجاهدين الطاجيك، ومكان استقبال لآلاف من اللاجئين، وقد وقعت الحكومة الأفغانية الوليدة في حرج بالغ يشبه وضع (باكستان) سابقًا،

مع اختلاف طفيف وهو أن القضية الأفغانية كانت تمثل سابقًا ساحة صراع بين

الأمريكان والسوفييت؛ مما تطلب دعمًا أمريكيًا غير مباشر للأفغان كي يقفوا أمام

المد الشيوعي، أما في القضية الطاجكية فالتخوف من المد الإسلامي في

الجمهوريات هو هاجس الغرب والشرق على السواء. ونعرض هنا إلمامة

بتطورات الأحداث الأخيرة ومواقف الفرقاء حولها.

الموقف الروسي:

تعتبر روسيا نفسها وريثة الاتحاد السوفيتي، وبالتالي فهي مسؤولة عن الدول

التي خرجت من المظلة السوفيتية، وعلى وجه الخصوص تلك الدول الفقيرة

والمتخلفة (الجمهوريات الإسلامية) ، وسبق للكثير من المسؤولين الروس الحديث

عن الأمن القومي الروسي، وارتباطه بأمن الجمهوريات الإسلامية، فمثلًا صرح

وزير الخارجية الروسي بقوله: «ظهرت بوادر عدم الاستقرار على طول الحدود

الروسية وبالتالي فإن صون السلام أصبح من مقومات أمن روسيا القومي واضطلاع

روسيا بمسؤوليتها الخاصة عن حفظ الاستقرار في أراضي الاتحاد السوفيتي

السابق ... » .

وبهذا المفهوم ينطلق التحرك الروسي بدءًا من الرئيس يلتسن بتصريحه

«ليعلم الجميع أن هذه الحدود- يقصد الطاجكية / الروسية- هي حدود روسية وليست طاجكية» .

ولقد أيده البرلمان رغم اختلافه في كثير من القضايا مع الرئيس يلتسن

والغريب أن الموقف الروسي واضح وصريح، بدءًا من التدخل المكشوف لإسقاط

الحكومة الائتلافية، ودعمه ثانيًا للجبهة الشعبية الشيوعية حتى صعودها للحكم على

أشلاء المسلمين.

ويتحدث المسؤولون الروس عن القضية الطاجكية، وكأنها جزء لا يتجزأ من

روسيا، ويقول وزير الخارجية الروسي: «لا حوار مع المعارضة- الطاجكية- إلا

بالصواريخ» وكأنه يتحدث عن معارضة داخل روسيا - وللتدخل الروسي في

القضية الطاجكية مبررات لعل أهمها:

الخوف من الأفغنة:

فالتورط الروسي في أفغانستان سبب الكثير من المشكلات للروس، ولعلها من الأسباب الرئيسية لسقوط الاتحاد السوفيتي. وبالتالي فلا يريد الزعماء الروس أن تتحول طاجكستان إلى أفغانستان ثانية تكون مصدر قلاقل لهم مستقبلًا.

-الخوف من (المد الأصولي) لاشك أن الانبعاث الإسلامي في الجمهوريات

عمومًا، وفي طاجكستان خصوصًا، يمثل تهديدًا للنصرانية في الشمال وبالتالي فإن

قيام دولة إسلامية في طاجكستان سوف يشعل الفتيل في بقية الجمهوريات

وطاجكستان تمثل أضعف دولة في الجمهوريات، وفيها أقوى حركة إسلامية في

المنطقة، والمد الإسلامي لو استفحل في نظرهم قد يصل إلى روسيا نفسها حيث

يوجد فيها حوالي 50مليون مسلم مما يهدد بتفكك وسقوط الاتحاد الروسي نفسه.

الجانب الاقتصادي والثقافي:

كان الوضع الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي سابقًا مرتبًا بطريقة خبيثة جدًا

فالجمهوريات الإسلامية عمومًا مصدر المواد الخام والجمهوريات النصرانية مناطق

الصناعة والمدنية، ولقد امتص الكثير من خيرات هذه الجمهوريات لصالح روسيا

وجاراتها، وطاجكستان إحدى هذه الأمثلة فالبلد متخلف جدًا من النواحي المدنية

والصناعية، إنما هي فقط مصدر للمواد الخام لروسيا ففيها اليورانيوم والفضة

بكميات كبيرة فضلًا عن المعادن الأخرى، والسيطرة الروسية العسكرية على

المنطقة تضمن لها استمرار بقاء هذا الشريان خصوصًا أن روسيا هي مصدر الطاقة

لهذه الجمهورية وغيرها من الجمهوريات، فهي بالتالي تمسك بتلابيبها، وتنظر

روسيا إلى هذه الجمهوريات على أساس أنها متخلفة وغير متحضرة ولا تحسن

الديمقراطية ونظرًا لكون روسيا دولة متقدمة وديمقراطية فإنها تشعر - كما تزعم -

بمسؤوليتها الأدبية تجاه هذه الجمهوريات.

الوجود الروسي:

يعيش في الجمهوريات الإسلامية- ومنها طاجكستان: ما يقرب من 30 مليون

روسي يسيطرون على الإدارة والصناعة والتجارة ويعملون في الاستسمارات

الروسية، ونظرًا لشعور روسيا بمسؤوليتها تجاه مواطنيها فإنها لا بد أن تقف مع

الاستقرار في المنطقة خصوصًا مع نظرة الخوف والشك في حال وصول

الإسلاميين إلى سدة الحكم في روسيا.

الدور الأمريكي:

كان الحضور الأمريكي في منطقة الجمهوريات مبكرًا، ولقد افتتحت الولايات

المتحدة لها مقار دبلوماسية لمتابعة أوضاع الجمهوريات، ومراقبة الوضع الأمني

خصوصًا مع اختلال الموقف الروسي عند سقوط الاتحاد السوفيتي ومع بداية

الأحداث شاركت القوات الأمريكية بصفة سرية للغاية ومحدودة في معاونة الجبهة

الشعبية لإسقاط الائتلاف الإسلامي الديمقراطي، وبعد استقرار الأوضاع دعمت -

صراحة - نظام (دوشانبه) الشيوعي وأيدت - بإطلاق - التدخل الروسي. وقد

ذكرت مصادر إعلامية وجود وثيقة سرية بين روسيا وأمريكا تخول فيها الثانية

للأولى التحرك بحرية في الجمهوريات للتصدي للأصولية الإسلامية هناك. رغم

مأساة اللاجئين الذين يقاربون المليون، والضحايا الذين سقطوا وهم يعدون بعشرات

الألوف - فإن الإنسانية الغربية والأمريكية على وجه الخصوص غائبة تمامًا عن

الساحة ولم يُقَدَّم إلا الفتات من بعض المنظمات الصليبية.

كذلك لعبت أمريكا بالورقة الأفغانية وحركت عملاءها في المنطقة لدعم

الفوضى السياسية في ذلك البلد، وإشغال هذا النظام الإسلامي الوليد بنفسه كي لا

تصبح أفغانستان بالنسبة للطاجيك كباكستان سابقًا بالنسبة لأفغان وذلك خوفًا من

امتداد المارد الإسلامي إلى وسط آسيا.

موقف دول الجوار:

بالنسبة للجمهوريات الثلاث (أوزبكستان - تركمانستان - كازخستان) فالحكم

فيها للشيوعيين، أما (قوقيزيا) فيحكمها العلمانيون لكنهم جميعًا يقفون صفًا واحدًا

أمام الحركة الأصولية الإسلامية - كما يسمونها - وقد دعموا جميعًا نظام دوشانبه

خوفًا من امتداد الأمر إلى جمهورياتهم ولعل أوزبكستان أكثر الدول دعمًا لنظام

دوشانبة فلقد شاركت منذ الأيام الأولى في الأحداث عسكريًا وماديًا وبشريًا.

وبالنسبة لإيران الرافضية ذات الوجهين فإن موقفها المتخاذل يماثل موقفها من

شيوعي أفغانستان فهي فقط تدعم طائفتها وتجهزهم للمستقبل والموقف المعلن هو

العمل على عدم اتساع رقعة الحرب.

أما تركيا العلمانية فإنها أيضًا دعمت الشيوعيين واستخدمت ورقة الأوزبك

ذوي الأصول التركية ودفعتهم - وهم لا يحتاجون إلى دفع - لمواجهة الإسلاميين،

ومن جانب آخر أيدت الموقف الروسي وتدخله المباشر في شؤون هذه الجمهورية.

دور الأمم المتحدة:

منذ أزمة الخليج دخلت الأمم المتحدة طرفًا مباشرًا في الأزمات العالمية لكن

مع غياب شبه كامل لاستقلاليتها في اتخاذ القرارات، بل أصبحت أحيانًا كثيرة

طرفًا في الصراعات كما هو حالها في الصومال والبوسنة.

وفي طاجكستان كان موقف الأمم المتحدة متناسبًا مع توجهاتها الحالية من

المسلمين وقضاياهم فوسيطهم المكلف بالقضية كان دوره مؤيدًا للحكومة الطاجكية

الشيوعية، وبدلًا من أن يكون وسيطًا نزيهًا في الأزمة، رفض مقابلة مندوب

الجبهة الرئيسية للمعارضة (حزب النهضة) وذلك أثناء زيارته لباكستان وزار

مخيمات اللاجئين وطلب منهم العودة حالًا إلى ديارهم رغم معرفته بظروف هروبهم

وأسبابها، من جهة أخرى نجده يمتدح تلك الحكومة العميلة ويثني على مواقفها في

حل الأزمة! ! .

وضع المجاهدين الطاجيك:

بعد سيطرة الشيوعيين على الحكم في (دوشانبه) وإعدام الكثيرين من اتباع

حزب النهضة هربت البقية الباقية منهم إلى الجبال وإلى أفغانستان المجاورة والتي

يمثل الطاجيك فيها نسبة كبيرة من السكان وخصوصًا في الشمال.

وقد بدأ حزب النهضة بعد ذلك بتكوين قوات عسكرية لمواجهة النظام

الدكتاتوري في طاجكستان مستخدمين أفغانستان منطلقًا لتحركاتهم لأسباب كثيرة من

أهمها الدعم الذي حصلوا عليه من إخوانهم الأفغان، وللحدود الطويلة المشتركة

(أكثر من ألف كيلو متر) مع طاجكستان.

كانت البداية عمليات اختبار وجس نبض للوضع الأمني على الحدود والذي

يسيطر عليه الروس بشكل أساسي، ولقد كانت ردة الفعل الروسية عنيفة منذ الأيام

الأولى لمحاولات الاختراق، فلقد قصفت القوات الروسية تجمعات المجاهدين

واللاجئين في الطاجيك أفغانستان، فضلًا عن التهديد الحكومي الروسي بالرد القاسي

مستقبلًا إزاء أي محاولة اختراق للحدود، وفي الجملة لم تبدأ العمليات الجهادية

الفعلية حتى الآن نظرًا للظروف الصعبة التي يعيشها المجاهدون وإمكاناتهم المادية

المحدودة. ومن التحديات التي قد تواجه المجاهدين مستقبلًا ولعل بوادرها ظهرت

الآن حيال وضع بدخشتان المنطقة الجبلية - ذات الاستقلال الذاتي - والمتاخمة

للحدود وذات المساحة الشاسعة (45% من مساحة طاجكستان) والتي يقطنها

الإسماعيليون (الغلاة) - وإن كان عددهم محدودًا (180 ألف نسمة) - إلا أن

موقعهم الاستراتيجي بالنسبة للمجاهدين له حساسية فائقة فلقد شارك بعض منهم في

الوقوف أمام الحكومة وبالتالي هم مصنفون ضمن المعارضة لكن الحكومة تحاول

منذ مدة استمالتهم إلى جانبها وعرضت عليهم مشروعات لتطوير المنطقة، ولقد

ذكرت وسائل الإعلام استيلاءهم. على شاحنات للمجاهدين تحمل أدوية وأغذية إلى

إخوانهم في الداخل مما ينبئ بموقفهم الحقيقي حيث سيكونون شوكة في خاصرة

المجاهدين كما هو حال إخوانهم الرافضة في افغانستان.

مستقبل القضية:

لاشك أن من أسباب النصر كما بينها القرآن الكريم هو نصر المسلمين أنفسهم

لله أولًا [إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ] وبذلهم الأسباب المادية ثانية[وأَعِدُّوا لَهُم مَّا

اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ]وانتصار المسلمين على أعدائهم ليس بغلبة المادة ولكن بتمسكهم

بالعقيدة الصحيحة واليقين بالله والالتزام بأوامره والانتهاء عن محارمه، أما

الشيوعيون فهم ساقطون لا محالة والزمن بإذن الله كفيل بهم، ولكن تعاضد أهل

الضلالة مع بعضهم يقوي شوكتهم ويطيل أمدهم.

والحكومة الشيوعية تعرف ضعفها وافتقارها للشعبية ولذلك تعتمد كلية على

الدعم الروسي والأوزبكي وقامت بعقد معاهدة أمنية مع روسيا في هذا العام، ورغم

محاولات الوساطة بين الرئيس رحمنوف والمعارضة (النهضة) إلا أن الرئيس

يرفضها ويتهم من يسميهم بالأصوليين بالإجرام والإرهاب وهو الوصف الذي

ينطبق عليه وعلى الجبهة الشعبية تمامًا والذين أودوا بحياة عشرات الآلاف فضلًا

عن الجرحى وما يقارب المليون من المهاجرين، أما عن موقف المجاهدين،

فرئيس حزب النهضة من جانبه لا يعترف بالحكومة الحالية والتي نصبها الروس

والأوزبك وبالتالي فلا مجال - من وجهة نظره - للحوار معها.

الخاتمة

مع توالي الأحداث تبقى القضية الطاجكية مغيبة إعلاميًا ولا تكاد تلمح إلا

إشارات قليلة هنا وهناك ورغم الوجود الإعلامي الغربي القوي في مناطق الأحداث

في العالم إلا أننا نرى إهمالًا إعلاميًا متعمدًا للقضية في وسائل الإعلام الغربية

والعربية من باب أولى؛ لأنها عالة على الوكالات الأجنبية. وفي الحقيقة تعتبر

القضية الطاجكية لعبة الدول الكبرى، وتجربة فريدة في مواجهة المد الأصولي

المزعوم. وفي مواجهة هذا الكيد تقوم حركة الجهاد بقيادة حزب النهضة الإسلامي

والذي يحمل إيجابية كبيرة- لعلها استفادت من التجربة الأفغانية- ألا وهي الوحدة،

فالتفرقة بين مجموعات الجهاد الأفغانية أدى إلى ضياع ثمرة الجهاد بعد سقوط الحكم

الشيوعي، وهناك مبشرات للجهاد الطاجيكي فقد سقطت قبل أيام مدينة طوس

(200 كم عن العاصمة) بأيدي المجاهدين ولعل انشغال الروس بقضاياهم المحلية

ولو مؤقتًا يكون فرصة لاندفاعة قوية لذلك الجهاد الذي يحتاج إلى الدعم من كل

المسلمين خصوصًا في هذه الأيام الحرجة قبل دخول الشتاء حيث تصبح الأمور

صعبة جدًا. فالبدار البدار لنجدة إخواننا في العقيدة والدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت