أحمد فهمي
يقول إبراهيم أمين السيد من علماء الشيعة اللبنانيين المؤسسين لحزب الله: «نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران» . ويقول الشيخ حسن طراد من علماء الشيعة: «إن إيران ولبنان أمة واحدة ووطن واحد» . وفي المقابل يقول أحد كبار علماء إيران: «نحن ندعم لبنان سياسيًا وعسكريًا كما ندعم إحدى محافظات إيران» . [الإسلاميون في مجتمع تعددي/ حزب الله في لبنان نموذجًا. د. مسعود أسد إلهي] .
هذه الأقوال المتحمسة تطرح تساؤلًا مهمًا حول الأزمة اللبنانية التي أشعلتها عملية «الوعد الصادق» التي نفذها حزب الله اللبناني الشيعي، ونتج عنها مقتل ثمانية جنود إسرائيليين وأسر جنديين، وهذا التساؤل هو: هل هذه الحرب التي أشعلها حزب الله، حرب لبنانية أم إيرانية؟ وهل هي حرب بين حزب الله والاحتلال الصهيوني، أم بين طهران وواشنطن؟
وهناك تساؤلات أخرى أثارتها ردود الأفعال الإقليمية والدولية، ويمكن تلخيصها في أمرين:
ـ لماذا أتى الرد الصهيوني على هذا النحو العنيف والمدمر؟
ـ لماذا أتى الرد العربي عاجزًا ومنتقدًا لأداء حزب الله في الوقت نفسه؟
ونقدم في هذا المقال محاولة للإجابة عن التساؤلات الثلاثة.
u إيران وسياسة تصدير الحروب:
لتحديد الهدف الحقيقي من عملية حزب الله الأخيرة لا بد من توضيح الإطار السياسي والعقدي الذي يحكم العلاقات المتبادلة بين ثلاثة أطراف محورية في المنطقة، وهي: إيران، سورية، حزب الله؛ لأن هذه العلاقات المتبادلة أصبحت العنصر الأكثر تأثيرًا على الساحة اللبنانية، وإذا كانت العلاقة بين سورية وإيران محكومة منذ الحرب العراقية الإيرانية بتحالف «العدو المشترك» وهو صدام حسين؛ فإن إطار هذه العلاقات يتوسع حاليًا ليتضمن بُعدًا عقديًا من ناحية، وسياسيًا من ناحية أخرى تجاه خصم مشترك آخر هو الولايات المتحدة، وقد أثمرت العلاقة المتنامية توقيع اتفاقية للدفاع المشترك بين البلدين، إضافة إلى استخدام حزب لله كأداة سياسية وعسكرية لضبط التوازن داخل الساحة اللبنانية والمنطقة على إيقاع طهران أولًا ودمشق ثانيًا.
أولًا: حزب الله وصلته بالحرس الثوري:
في عام 1982م اتفقت طهران ودمشق على إرسال وحدات من الحرس الثوري الإيراني للمشاركة في مقاومة الاحتلال الصهيوني للبنان، وعندما وصلت الوحدات الإيرانية إلى دمشق تراجع نظام حافظ الأسد خشية تنامي نفوذ الحركات الشيعية الدينية في لبنان، وجرى الاتفاق على أن يقتصر دور الوحدات على التدريب دون المشاركة الفعلية في القتال، ووصل إلى الجنوب اللبناني في أسابيع قليلة 1500 عسكري إيراني، تم اختيارهم بعناية ليكونوا مدربين عسكريين وكذلك دعاة دينيين يرسخون مبادئ الثورة الخمينية في الجنوب اللبناني، ويؤسسون للسيطرة الشيعية على الجنوب، وكان لهذه الوحدات الدور الأكبر في تأسيس حزب الله بصورة فعلية من النواحي التنظيمية والعسكرية والدعوية، وكانت تلك بواكير ثمار سياسة تصدير الثورة التي تبنتها جمهورية الخميني.
يقول إبراهيم أمين السيد: «لقد نقل الإخوة الحرسيون من الجمهورية الإسلامية إلى لبنان الروح الثورية والاستشهاد وخط الثورة وقيادة الإمام الخميني إلى حد أنه بدا وكأننا مرتبطون جغرافيًا ارتباطًا مباشرًا بالجمهورية الإسلامية ولا نرى حدودًا تفصلنا عنها» . [الإسلاميون في مجتمع تعددي/ حزب الله في لبنان نموذجًا. د. مسعود أسد إلهي] .
وكانت غالبية الصفوف الأولى المؤسسة لحزب الله من تلاميذ العالم الشيعي العراقي محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة العراقي، وكانوا يحملون فكرًا ثوريًا شيعيًا لم تتحمله المؤسسة الرسمية الشيعية في لبنان وهي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بزعامة محمد مهدي شمس الدين وقتها، وحسن نصر الله نفسه تلقى العلوم الدينية على يد محمد باقر الصدر في النجف، ثم رحل إلى قم وتتلمذ على مرجعياتها قبل أن يعود إلى لبنان.
ثانيًا: حزب الله يدين بالولاء المطلق لخامنئي:
يقول الحزب في كتيب أصدره لبيان تاريخ نشأته ووجهات نظره: «نحن نلتزم بولاية المرجعية الرشيدة التي يجسدها الولي الفقيه. وهذه المرجعية ليس لها صفة جغرافية أو مصلحية أو قومية أو غير ذلك» . ويقول حسن نصر الله: «الفقيه هو (ولي أمر) زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس. نحن ملزمون باتباع الولي الفقيه ولا يجوز مخالفته» . ويوضح إبراهيم السيد أن هذه التبعية للولي الفقيه ليست قاصرة على الشؤون الدينية فقط، بل تتعداها إلى القرار السياسي: «نحن لا نستمد عملية صنع القرار السياسي لدينا إلا من الفقيه، والفقيه لا تعرفه الجغرافيا؛ فنحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران، نحن نعتبر أنفسنا ـ وندعو الله أن نصبح ـ جزءًا من الجيش الذي يرغب الإمام في تشكيله من أجل تحرير القدس الشريف» . ويقول حسين الموسوي من قيادات حزب الله: «نحن على المستوى السياسي والديني والعقائدي نتبع عقيدة الإمام الخميني وفكره» .
وبعد موت الخميني انتقلت التبعية لخليفته علي خامنئي الذي عيَّن في العام 1995م كلًا من محمد يزبك عضو مجلس شورى حزب الله، وحسن نصر الله الأمين العام للحزب وكيلين له في استلام الحقوق الشرعية من شيعة لبنان وفي مقدمتها الخُمْس بالطبع، كما أن مؤسسات خامنئي هي إحدى أهم مصادر تمويل الحزب الخارجية، وقد صرح خامنئي تعليقًا على المطالبة بنزع سلاح حزب الله كشرط أساس بالقول: «الولايات المتحدة طالبت بنزع سلاح حزب الله، هذا لن يحصل» [صحيفة الحياة]
ثالثًا: حزب الله وسورية من العداء إلى التحالف:
كانت حركة أمل الشيعية في لبنان تحمل وجهات علمانية، أو على الأقل لم تكن تحمل فكرًا دينيًا متشددًا مثل حزب الله، وكانت حركة أمل حليفًا لدمشق في لبنان، وعندما برز حزب الله للعلن بدأ في سحب البساط من تلك الحركة بتأييد إيراني، ونشأ عن ذلك صراعات وخلافات تطورت إلى حد القتال المباشر نهاية الثمانينيات ولمدة عامين متصلين، ونتج عن التقاتل الشيعي 2500 قتيل و5000 جريح أغلبهم من حركة أمل، إلى أن تم احتواء الموقف من قِبَل دمشق وطهران مطلع التسعينيات، وأصبح حزب الله الأقوى في الساحة الشيعية، وبدأ النظام البعثي في مد جسور التعاون مع الحزب بدعم إيراني لتكوين إطار شيعي ممتد من إيران إلى لبنان، وتأسست العلاقة بين الحزب وسورية على أساس المصالح السياسية المشتركة في لبنان. يقول أبو سعيد الخنساء من عناصر حزب الله: «إن بعض أصدقائنا كانوا ينظرون إلى سورية كعدو ولو لم يتدخل السيد القائد ـ علي خامنئي ـ مباشرة لما صححت هذه النظرة» . [الإسلاميون في مجتمع تعددي/ حزب الله في لبنان نموذجًا. د. مسعود أسد إلهي] .
ومؤخرًا تلاقت المصالح بين الطرفين على وجوب السعي لتغيير قواعد اللعبة في المنطقة، وخاصة أن مستوى الجرأة الصهيونية تجاه دمشق يتزايد باضطراد، والتهديدات لا تتوقف بخصوص الوجود الفلسطيني الفصائلي في دمشق، كما أن الخلافات السياسية اللبنانية تفاقمت وبات من الصعب توجيهها بالصورة التي تخدم مصالح الطرفين، فكان لا بد من البحث عن وسيلة لإعادة ترتيب الأوضاع وفق ترتيبات جديدة.
رابعًا: طهران وسياسة تصدير الحروب:
دخل نظام الملالي منذ عدة أشهر في صراعات سياسية مع الغرب وأمريكا تحديدًا، بعد الإعلان عن تخصيب اليورانيوم في المفاعلات الإيرانية، ولأن الطرفين يحرصان على عدم تصعيد النزاع إلى الصدام المباشر، فقد أصبح العراق ميدانًا غير مباشر للتنافس بين البلدين، وصدَّرت إيران سياستها التصادمية عبر الأحزاب والميليشيات الشيعية، ولكن مع تصاعد الضغوط الغربية وتوقع تحويل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن واحتمال فرض عقوبات اقتصادية، كان لا بد من البحث عن ساحة أو وسيلة إضافية لتفريق الضغوط الغربية، وكان أحد الخيارات المطروحة استخدام ما يعرف بـ «خيار شمشون» في مواجهة فرض حصار جوي واقتصادي على إيران، حيث تقوم طهران بمنع وصول الإمدادات النفطية من الخليج إلى بقية دول العالم. يقول محمد نابي روداكي عضو في مجلس الأمن القومي ولجنة السياسة الخارجية في البرلمان الإيراني: «في حال اتخاذ قرار بالحظر الجوي أو الاقتصادي فلن يتم تصدير ولو قطرة نفط واحدة من المنطقة. إن جمهورية إيران لديها المقدرة على منع تصدير النفط من ساحل الخليج ومن نفطنا إذا ما أخفقت أوروبا في تناول القضية النووية بحكمة. [دورية مختارات إيرانية، العدد 71] .
ولكن كان هناك خيار آخر هو «الحرب الاستباقية عن بُعد» التي تشعل المنطقة وتصرف الأنظار عن الملف النووي الإيراني، وتكسب طهران ورقة تفاوضية جديدة، كما تدعم تأثيرها الإقليمي من خلال قدرتها على إثارة المشكلات والأزمات، ولعل من الشواهد المؤيدة لهذا التحليل الحرص الإيراني على توفر البعد العسكري لدى الأقليات الشيعية التي تدعمها في دول أخرى، وهذه حقيقة ثابتة لا يمكن التشكيك فيها.
خامسًا: الهدف الحقيقي من عملية حزب الله:
أعلن حزب الله عن عمليته التي سماها «الوعد الصادق» وذلك نسبة إلى الوعد الذي قطعه حسن نصر الله على نفسه أن يشارك سمير قنطار المعتقل في السجون الصهيونية في احتفالات التحرير القادمة 25 مايو، وبذلك يكون الهدف الرئيس المعلن من العملية تنفيذ عملية تبادل موسعة للأسرى في سجون الكيان الصهيوني.
ولكن هذا التخريج للأحداث يبدو عسيرًا على القبول، وذلك لتوفر مؤشرات وشواهد كثيرة تدعم تحليلًا آخر يقول إن حزب الله نفذ حربًا بالوكالة نيابة عن طهران، وأن الهدف لم يكن تنفيذ عملية تبادل للأسرى، أو حتى تغيير قواعد اللعبة من خلال تفعيل أسلوب الاختطاف باعتباره وسيلة ردع، ولكن كان الهدف الأساس من كل ذلك هو استدراج العدو إلى حرب مكشوفة تكون الخيارات فيها مفتوحة لقصف المدن الصهيونية بالصواريخ ـ الإيرانية والسورية ـ وهو ما يعني ابتكار وسيلة ردع جديدة يفتتحها حزب الله، وهي القصف المتبادل في العمق المدني والعسكري. وكان واضحًا منذ بدء الأزمة أن حزب الله لديه أجندة محددة وخطوات مرتبة، وتصعيد مدروس ومتدرج في تنفيذ عمليات القصف على المدن، بل وفي إدراجها في سياق رد الفعل ـ الردعي ـ على القصف الصهيوني، كما كان هناك تقسيم دقيق للأهداف لا يحرقها جملة واحدة، وبذلك أصبح واردًا ومحتملًا وقريبًا أن يتعرض العمق الصهيوني للقصف بصواريخ أقوى تأثيرًا في حال تعرض إيران وسورية لهجمات أمريكية أو صهيونية، ولدى البلدين صواريخ تصل إلى عمقها بسهولة، وقد كان واضحًا تطور مستوى الدقة في إصابة صواريخ حزب الله لأهدافها.
وبذلك تكون عملية الوعد الصادق ليس المقصود بها تحرير الأسرى، ولكن تقديم صورة لما يمكن أن يحدث في حال تعرض إيران أو سورية لهجمات أمريكية، وأيضًا تفعيل وسيلة الردع الجديدة. وهناك كما قلنا شواهد تؤيد هذا التحليل نذكر أهمها فيما يلي:
1 ـ عملية «الوهم المتبدد» التي نفذتها حماس قدمت نموذجًا ومثالًا عمليًا واضحًا لرد الفعل الصهيوني لا يمكن أن يغيب عن أي متخذ للقرار داخل حزب الله، وبذلك لا يمكن أن يكون الحزب قد فوجئ بمستوى رد الفعل الصهيوني كما يرجح بعض المراقبين.
2 ـ أسرى الحزب في سجون العدو تراجع عددهم كثيرًا وأبرزهم ثلاثة فقط هم يحيى سخاف، وسيم نصار، سمير قنطار. ولا يبدو معقولًا أن يُقْدِم الحزب على مغامرة خطيرة كهذه من أجل تحرير قنطار من الأسرى وليس أسيرًا واحدًا، وخاصة أن الحزب نجح بالفعل في إتمام صفقة تبادل لـ 314 أسيرًا لبنانيًا وفلسطينيًا مع الكيان الصهيوني منذ سنوات مقابل ثلاث جثث متحللة لجنود صهاينة، وكان يمكن بسهولة الاحتفاظ ببضع جثث من عملية الوعد الصادق لمبادلتها لاحقًا، وذلك بلا شك سيكون أخف وطأة.
3 ـ امتلكت الترسانة العسكرية لحزب الله كميات كبيرة ومتطورة من الصواريخ في الفترة الأخيرة، وقدرت مصادر مخابراتية صهيونية عدد الصواريخ بنحو 10 آلاف إلى 15 ألف صاروخ، من بينها فجر 3 وفجر 4 وفجر 5 ويصل مداها إلى أبعد من مدينة حيفا التي تبعد 40 كم فقط عن حدود لبنان، ويمتلك الحزب صاروخًا يصل مداه إلى 150 كم وهو قادر على الوصول إلى العاصمة تل أبيب التي تبعد 120 كم فقط عن حدود لبنان، وترجح التقارير امتلاك الحزب لـ 100 صاروخ فقط من هذا النوع، وقالت تقارير أخرى إن الحزب أطلق صاروخ أرض بحر من نوع سي 208 يتخطى مداه 100 كم وهو من الصواريخ المتطورة جدًا في العمليات البحرية. [صحيفة المصري اليوم 17/7/2006م] .
4 ـ في حوار مع صحيفة الحياة قال وليد جنبلاط: «الجواب الفارسي لموضوع التخصيب ما حصل في لبنان» وأضاف: «هذه الترسانة المتطورة لا تأتي من العبث، تقول إيران لأمريكا تريدون محاربتي في الخليج أو ضرب المنشآت النووية، نصيبكم في عقر داركم في أرض العدو المحتلة، وساحة المعركة طبعًا لبنان» . [الحياة 21/6/1427هـ] .
5 ـ توقيت عملية الوعد الصادق في حال افترضنا صحة الهدف المعلن لها، سيكون عجيبًا جدًا، وخاصة أن هناك عملية سابقة نفذها الفلسطينيون ولم يقبل الكيان الصهيوني حتى الآن بتنفيذ عملية تبادل للأسرى، وعملية نوعية كهذه تحتاج إلى تخطيط طويل المدى وتنتظر فقط قرارًا سياسيًا، وقد قال حسن نصر الله بصراحة: «نحن الذين نختار الزمان والمكان، ولا يستطيع العدو أن يفرض علينا الوسيلة أو زمن اختيار الوسيلة» إنه إذن اختيار عجيب. [صحيفة الحياة] .
u الرد الصهيوني القوي دليل على الضعف:
كان إيهود أولمرت رئيس وزراء دولة العدو في زيارة لمنزل الجندي المخطوف في غزة يعد والده بقرب إطلاق سراحه، عندما جاءه السكرتير العسكري للحكومة بخبر اختطاف جنديين آخرين في جنوب لبنان، وكانت الصدمة قوية لدرجة أن اتخاذ قرار الحرب المفتوحة على لبنان جاء سريعًا جدًا ودون دراسة كافية لأبعاده، وقد نقلت الصحافة الصهيونية أنه في مجلس الوزراء المصغر الذي اتخذ قرار الحرب على لبنان، كان شيمون بيريز الوزير الوحيد المعترض، وكان سؤاله لرئيس الأركان دان حلوتس عن الخطوات التالية، وقال إنه يفهم الخطوة الأولى والثانية، ولكن لا يفهم الثالثة والرابعة، وجاء رد حلوتس معبرًا، فقال: إن الخطوة الثالثة مرتبطة بالخطوة الثانية، وإن الرابعة مرتبطة بالثالثة، وكلها مرتبطة بما سيحدث على أرض الواقع. [صحيفة الفجر 17/7/2006م] . وقد جاء تهديد وزير الدفاع الصهيوني (عامير بيرتس) المفاجئ بأن دولتهم يمكن أن تحتل لبنان عشرين عامًا، ليبرز مدى التخبط حول الخطوات التالية بالفعل، كما أن حزب الله نجح في أن ينافس الجيش الصهيوني في منظومة الفعل ورد الفعل؛ فبعد أن كان الحزب يهدد بأن قصف الضاحية الجنوبية سوف يكون خطًا أحمر، صرحت حكومة العدو بأن ضرب حيفا خط أحمر، ولما ضُربت حيفا أمر الجيش سكان الجنوب اللبناني بالرحيل إلى الشمال، كما هدد الحزب بضرب المنشآت البتروكيماوية في حيفا وغيرها.
والمثير في المشهد السياسي الصهيونيي والذي يكشف عن مستوى المفاجأة أن الحكومة التي يرأسها ويشغل منصب وزير دفاعها مدنيان للمرة الأولى في تاريخ الكيان الصهيوني منذ عام 1948، كانت قد وافقت بإجماع 18 وزيرًا وامتناع 8 عن التصويت على تخفيض ميزانية وزارة الدفاع بمبلغ نصف مليار شيكل، ولا شك في أن تعديلًا سيطرأ على الميزانية بعد أن تضاف تكلفة شن حرب مفتوحة ضد لبنان لا يعلم على وجه التحديد متى تنتهي وما تبعاتها.
وقد ذكرت صحيفة هآرتس اليهودية خبرًا لو تأكد فسوف يكون مؤشرًا على مستوى الضعف السياسي الذي بلغته الحكومة الحالية بقيادة أولمرت والتي تعرضت لخمس طلبات لسحب الثقة منها في الأيام الماضية من أحزاب المعارضة بما فيها الليكود.
قالت هآرتس: إن يوفال ديسكين رئيس جهاز الشاباك الذي التقى (أبو مازن) سرًا في الأردن نقل إليه رسالة شبه رسمية مفادها أن تل أبيب لديها استعداد للتفاوض حول صفقة لإطلاق أسرى مقابل الجندي الأسير ولكن مع (أبو مازن) وليس مع حماس. وقال ديفيد وولش مساعد رايس في مؤتمر صحفي عقب محادثاته مع أبو مازن في رام الله: إن قضية الأسرى قضية عاطفية بالنسبة للفلسطينيين ولا بد من معالجتها بين عباس والجانب (الصهيوني) بعيدًا عن التدخلات الخارجية. [صحيفة المصري اليوم 16/7/2006م] .
u المرآة اللبنانية والعجز العربي:
أخطر ما في الحرب أنه لو نتج عنها نصر واضح للجيش الصهيوني فسوف يكون ذلك بادرة غير مسبوقة لها انعكاساتها على المنطقة في المرحلة القادمة؛ حيث سيعني ذلك أن حكومة العدو نجحت في تنفيذ سياسة ردع جديدة وفعالة عن طريق استخدام رد فعل هائل يتضمن كل الأعمال الوحشية من قتل وتدمير وتهجير، في مواجهة فعل متوسط أو محدود، ومع استحضار ردود الفعل العربية والدولية الباهتة فإن مستقبل المقاومة سيكون في خطر كبير، وستكون هناك حسابات جديدة ربما تؤدي إلى تقهقر المقاومة، وخاصة أن الانتقال من استهداف المدنيين إلى التركيز على الأهداف العسكرية لم يخفف من الضغوط على المقاومة، بل تأتي الأحداث الأخيرة لتدفع بمسار المقاومة في اتجاه معاكس تمامًا، وبذلك تكون الحسابات الإيرانية في المنطقة العربية قد أحدثت ضررًا كبيرًا للمقاومة التي تزعم طهران تبنيها ودعمها.
وعلى الجانب العربي أصبحت الدول ذات المشكلات الطائفية والعرقية تعكس بوضوح مستوى الفعل السياسي العربي المتدهور دائمًا، والذي انتقل من سياق رد الفعل الذي كان مثار الانتقاد إلى سياق الفعل المُعادي، بحيث إن وزير شؤون الهجرة الصهيوني (زئيف بويم) رحب بالضغوط المتصاعدة التي مورست على حزب الله بشكل شجاع جدًا داخل لبنان، وكذلك من جانب الدول العربية المعتدلة [صحيفة المصري اليوم 16/7/2006م] .
ويمكن تلخيص دلالات الموقف العربي تجاه الحرب على لبنان في المؤشرات التالية:
1 ـ تحولت بعض الدول العربية إلى ساحات للصراع وميادين للحروب بالوكالة بين أطراف دولية وإقليمية، وتطور نفوذها داخل الدول العربية إلى التفاوض المشترك بعيدًا عن أي طرف عربي حتى لو كانت مصالحه مرتبطة بالدولة محل النزاع، وبعد أن دعت واشنطن طهران إلى مفاوضات مباشرة حول العراق، تسعى إيران حاليًا للمشاركة في أي مفاوضات تتعلق بلبنان، وقد كشف الرئيس المصري أن طهران كانت ترغب في المشاركة في جهود الوساطة العربية لدى حزب الله، وقال: «إن الإيرانيين طلبوا حضور اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب وتشكيل لجنة مشتركة تضم حزب الله وحماس، لكن مصر أدركت أن هذا فخ» . (الحياة 21/6/2006م) .
2 ـ لا تزال الدول العربية عاجزة عن التعامل مع الأمر الواقع، وتصر لاعتبارات الرأي العام ولافتقاد كل قدرة على الفعل على تداول مصطلحات ومسميات لم تعد ذات قيمة في الصراعات الدولية، مثل: دور المجتمع الدولي ـ دور الأمم المتحدة ـ وساطة الولايات المتحدة ـ المصالح العربية المشتركة.
3 ـ الدور المصري منذ استلام شارون للسلطة في عام 2001م طرأ عليه تغير إستراتيجي لم يهتم به كثير من المراقبين، وهو الانتقال من دور اللاعب والمفاوض الرئيس إلى دور الوسيط، والذي تتمثل قيمته في ممارسة الضغوط على الطرف الفلسطيني أو العربي.
4 ـ لم يعد بالإمكان تجاهل حقيقة أن الأقليات العرقية والطائفية بمثابة قنابل تنتظر تفجيرها من قِبَل أعداء العالم العربي، وقد انضمت إيران إلى قائمة الدول التي تسعى إلى اللعب بهذه الورقة لتحريك الأحداث داخل الدول العربية بما يتوافق مع مصالحها.
5 ـ رخص الدماء العربية وتراجع مستوى ردود الفعل حتى لدى الرأي العام المحلي والعالمي مؤشر ينذر بالخطر؛ فهذا يعني أن طابور الطامعين سوف يزداد مع رخص الثمن، وأن المنطقة ستظل معرضة لافتعال حروب جديدة يمكن أن تثور لأتفه الأسباب وأسرعها أيضًا، ولا شك أن دخول إيران على الخط سوف يدفع بدول أخرى للتنافس على الكعكة العربية، وخاصة أن هناك بعض الآراء الغربية التي تدعو للقبول بإيران نووية، فقد صرح بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق في عهد الرئيس جيمي كارتر خلال مشاورات الوكالة الدولية للطاقة مع واشنطن بشأن اتخاذ موقف ضد إيران قائلًا: «إن الغرب مضطر أن يتعايش بجوار إيران النووية» [مختارات إيرانية 71] .
6 ـ حكومة حماس أصبحت على مفترق طرق، فرغم أن مركز الحدث انتقل إلى لبنان إلا أن الخطر يكمن في النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها الأزمة الحالية، وقد بدأت دول عربية بالفعل في التجهز لهذه المرحلة التي يتوقعون فيها انتصارًا صهيونيًا، وستكون حماس أولى الضحايا، ولعل المؤشرات بدأت بالظهور؛ فقد تم إلغاء مؤتمر صحفي لمحمد نزال القيادي في حماس كان مقررًا عقده بالقاهرة التي كان يزورها للالتقاء مع اللواء عمر سليمان مدير المخابرات، وأُخبر نزال أن حياته في خطر؛ لأنه مدرَج على قائمة الاغتيالات الصهيونية، فاضطر للعودة إلى دمشق. [صحيفة الأسبوع المصرية 17/7/2006م] .
ويبقى في النهاية تساؤل بسيط في ألفاظه عميق في دلالاته، وهو: ما هي الخطوط الحمراء لدى الدول العربية التي لا يسمح بتجاوزها من قِبَل الولايات المتحدة، أو العدو الصهيوني؟ وهل يمكن القول إن العالم العربي قد تحول بأسره إلى أفق أخضر؟
نسأل الله ـ تعالى ـ أن يلطف بأمتنا المسلمة، وأن يكفيها شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.