نصوص شعرية
علي محمد سفر
«تَرِبَتْ يداك أفِقْ»
أَتاهُ الصوت: «قُمْ
تَرِبَتْ يداك أَفِقْ
إلامَ النومُ..
تَفتَرِشُ الردى
وتظلّ تَسبَحُ في فضاء الحُلْمِ..
عُمرُك منقضٍ
مازلتَ تَتّبِعُ الهوى؟ !
تِربَت ... »
فأوصدَ أُذنَهُ
كي لا يُتِمّ سَماعها
«قُم ... »
ثم كرّسَ جُهدَهُ
لكنها بَلَغتهُ
أن تَرِبَتْ يداك فَقُمْ
وإلا سوفَ يُرديكَ الرَدَى
أتَظَلّ تَقْبَعُ في ظلامِ الكَهفِ
تَلتحَفُ الغنى؟ !
وتُصِرّ..
ترفُضُ لحظةَ الإبصارِ! ..
تحتضنُ العمى؟ !
تَقْتَاتَ من شَجَرِ الخَطيئةِ..
كلّ معصية تُباري أُختَها..
وتُصبرّ..
أن تبقى رَهينَ القَيدِ..
يُدمِي المِعّصَمَا..
وتشدّ أزر العنكبوتٍ! ..
تحثها..
لتتم حَبْكَ نسيجها..
لتخيط عينيك الخيوطُ.. خيوطُها
كي لا ترى!
أتعيشُ تُخدعُ بالسرابِ..
تظنُ بريقه ماءً..
فتركُضُ لاهثًا..
يشتد لفح القيظِ..
يُشعِلُ لهفَة الظمآن..
يبني للسراب مرابعا!
وتظلّ تركض في لهيب القفر! ..
تنشد شربةً من ماءْ..
وأنت مُرتبك الخُطى..
تربت يداك أفقْ..
أتُخدعُ من بريق الوهم؟ ! ..
تحسب أنهم صدقوا..
فنالوا المجدَ؟ ! ..
ذلك زائفٌ.
خَلَتِ الحضارة من غذاء الروحِ..
فانقلبت شقاءً..
واستبدّ الليل يقذف بالأسى!
فهناك مُنتحِرٌ ومنتَهكٌ..
وطفل لم يجد حبًا..
وشيخ خانه الأبناءُ
لم يسعفه كوم قِمامةٍ
لينال منها لقمة منسيةً!
لينال منها عظمةً!
قد أغفلتها أعين الكلب الذي
قد راح ينعم بالسرير مدللا! !
وعلى رصيفِ البؤسِ
تلتحف العجوزُ البردَ
كانت تسلُبُ الأنظارَ
كانت.. إنها كانت ولكن لم تعدْ
تلك التي تتزاحمُ الخطواتُ في.. طرقاتِها
بقيت هناكَ..
فلم تجد بيتا ولا زوجًا ولا طفلًا
تسابقُ في المساء على الرصيفَ.. كلابَهُ!
بدأت تفكر في الخلاص.. فلم تجد حلًا
ولكن فجأة رأت الخلاصْ!
هناك يقبع حلّها..
وجدته في نوم عميقٍ
إنه كلب يعيش مُرَفهًا..
وجدته يأكل كل حينٍ
ثم يستلقي جوارَ الكوخِ..
لا يخشى صقيع البردِ! ..
لا يخشى رصاصا طائشا.
فأتت بسكين.. لقتل الكلبِ
واقتربت تريد الحلّ
ترغب في الخلاص من الأسى.
جلس القضاةُ..
وأُوثِقَتْ بالقيدِ..
تعلو وجهَها البسماتُ
قد نعمت بدفء السجن! ..
تشكر نعمة الجدرانْ! !
قد وجدت هنا في السجن بغيتَها
فلن تضطر بعد الآن للترحالِ
تبحثًا عن رصيفٍ آمن عند المساءْ! .
صمت الجميع وأُوثقت
نَطَقَ القضاة بأن الحكم ليس بسجنها
علموا بأن السجن تكريم لها
قالوا حكمنا أن تظلي مثلما كنتِ..
ففُكّوا القيد وانتقموا لموت الكلبْ! !
عادت إلى ذاك الرصيفِ
فلم تجد فوق الرصيف فراشَها
وجدته مسروقًا! ..
وما وجدت سوى الإنهاكِ
يسحق عظمها.
إن كانت الأيام قد أوحت بأن مروّجي الأوهام قد ظهروا علينا
وارتقوا بالعلمِ..
قد برعوا بتصنيع السلاحِ
وجيشوا كل الجيوشِ
تسابقوا في غزونا!
ورأيت أنا قلة بلهاءُ
مازالت تظن بأنها
يومًا ستقهرهم.. ستهزمهمْ..
ستحيي ذلك الماضي..
سترفع راية رُفعت هناك بأرضهمْ! !
فاعلم بأنا لم نقل هذا لنخدع ناخبًا
أو أننا قلناه تخمينًا وتخديرًا..
لنشعر بالرضى! .
قلناه عن وعدٍ..
وُعِدنا أن نصر الله آتٍ
قاله ربي على العرش استوى
إن كنت تشعر أن هذا مستحيل
أن يتمّ النصرُ للضعفاءِ! ..
فاسأل أهل مكةَ..
حينما رفضوا ضياءَ الفجرِ
واجتهدوا لوأد النورِ..
شنوا الحربْ..
فهل ربحوا برغم عتادهم؟ !
إن كنت لا تدري فسل «بدرا»
وسل ما شئت من رومٍ
وسل في أرض كسرى..
عن رجال محمدٍ
كانوا بلا عُدد كما صرنا
ولكن نصرُهمّ لله قد أهدى إليهمْ نصرَهُ! .
إنا على ثقة
فقم والحَق بركب الحقّ..
لا تركن إلى الآثامِ
لا تُخدع بأوهامٍ
يزيد بريقها الشيطانُ
لا تُسلم زمامك للهوى
أزِل الغشاوةَ
واستمع لكلام ربكَ
واتبع هدي الرسول.
مزّق خيوطَ العنكبوت الآنَ
واستمتع بنور الحقّ
يهدي نفسك الحيرى..
إلى درب الهدى.