إدارة
الهدوء وضبط النفس
سمة القيادة الناجحة
سامي سلمان
أقصد بالقائد الشخصية القادرة على اختيار الرجال، وفرض احترامه عليهم،
والحصول على محبتهم ومعرفة إمكاناتهم واستغلالها، ووضع كل منهم في المكان
الذي يلائمه، وبث فكرة القوة والمساواة بينهم، وتوزيع المسؤوليات عليهم،
وإشراكهم جميعًا في خدمة هدفٍ سامٍ على أن يتمثل فيه إيمان جاد بالمهمة التي يقوم
بها.
وسوف أشير هنا إلى عنصر واحد من عناصر سمات القيادة الناجحة وهو
الهدوء وضبط النفس، وهي صفة جلية في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في
جميع أحواله، إن الهدوء وضبط النفس موهبة فطرية وسمة خلقية تكتسب كذلك،
ولا بأس بذكر موقفين له - صلى الله عليه وسلم - تتبين فيهما هذه الصفة:
أولًا: في معركة حنين عندما فوجئ المسلمون بهجوم قوي من الكفار(هوازن
ومن معها)وفر من فر ممن أسلم بعد الفتح، وتراجع المسلمون عشوائيًا، في هذه
اللحظات الحرجة والصعبة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثابت الجأش
هادئ الأعصاب يقول: أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، ويقول لعمه العباس: ناد أصحاب الشجرة، وبفضل الله ثم بفضل هذا الثبات من
الرسول - صلى الله عليه وسلم - آب المسلمون إليه ورجعوا يتجمعون حوله
وانتصروا بعدئذ بإذن الله.
هذا الموقف يحتاج إلى تأمل، ففيه الشجاعة وحسن التصرف، وفيه هدوء
النفس وعدم الهيجان، وفيه التوازن مع ما في الحدث من شدة انعكست على الألوف
ممن سار في الجيش، يذكرني هذا الهدوء من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
بقول أحدهم: «لكي يحافظ القائد على هدوئه، عليه أن يعتاد على معالجة الأمور
المفجعة وكأنها عادية، بدلًا من معالجة الأمور العادية وكأنها فواجع» [1] ، ويقول
كذلك: «على القائد الذي يود أن يكون أهلًا للقيادة أن يبدأ بقيادة نفسه ولا يمكن
لمن لا يسيطر على نفسه أن يسيطر على الآخرين» [2] .
إن استقبال أي حدث مهما كانت درجة عظمته بهدوء وضبط نفس. يمكّن
المسؤول والقائد من عدة أمور منها:
أولًا: استيعاب الحدث بمعرفة حجمه الحقيقي، فكم من موقف استقبلناه بشدة
وغلظة بينما هو أبسط وأصغر من أن يواجه ويستعد له على حساب أمور أخرى-
والعكس صحيح فكم من حدث ظهر لنا بسيطًا فلم يحسب له أي حساب فلما تبين لنا
أنه كبير ويحتاج إلى موقف سريع منا لم نتمكن من استيعابه، ففي كلا الحالتين
ضبط النفس وهدوءها يعين القائد على دراسة حجم الأحداث.
ثانيًا: استيعاب الحدث بمعرفة مسبباته، الأسباب التي من شأنها أن تؤدي
إلى وقوع الحدث يعين على معرفة أفضل المواقف التي ينبغي اتخاذها.
ثالثًا: استيعاب الحدث بمعرفة أبعاده المستقبلية، فما من حدث إلا وله ما
وراءه، والهدوء وضبط النفس مما يعين القائد على الاستعداد لمواجهته بعقلية
الواعي لما يدور حوله.
فبمثل هذه الأمور الثلاثة وغيرها يوحي القائد والرئيس والمسؤول للآخرين
ممن حوله أنه متمكن من الموقف وممسك بزمامه فلا يظهر عليه الخوف والارتباك، فالقائد الحقيقي هو الذي لا يعرف الخوف ويتقن إخفاءه عندما يشعر به. ليوحي
لمرؤوسيه بأنه دائمًا أصلب من الخطر. فإن تجنَب ردود الفعل العصيبة وكبح
جماح نفسه واستقبال المتاعب بروح مرحة، وتقبل المخاطر بصبر، طمأن بهدوئه
مرؤوسيه ودفع عنهم الهلع الذي يعتبر في الأزمات أكبر الأخطار.
يقول (كورتوا) : (ينظر المرؤوسون في ساعات الخطر غريزيًا إلى وجه
رئيسهم، فإذا اكتشفوا لديه قلقًا أو توترًا عصبيًا، انتشر هذا الشعور بينهم بسرعة
تزداد بمقدار ما يكون هذا الرئيس محبوبًا وموثوقًا. [3]
وحتى لا يظن القارئ أن الحاجة إلى مثل هذه السمة قاصرة على المعارك
مثلًا نسوق هنا موقفًا آخر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففي غزوة حنين
نفسها غنم المسلمون غنائم كثيرة جدًا، فأعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
من هذه الغنائم أعطيات كبيرة للمؤلفة قلوبهم من أهل مكة وبعض زعماء الأعراب،
فوجد الأنصار في أنفسهم شيئًا لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يعطهم،
وظنوا أنه قسّمه في قومه، فجمعهم رسول الله --صلى الله عليه وسلم-- في مكان
وخاطبهم قائلًا: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وموجدة وجدتموها علي
في أنفسكم، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة فأغنكم الله، وأعداء فألف الله بين
قلوبكم؟ قالوا: بلى، لله ولرسوله المن والفضل!
ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟
لله ولرسوله المن والفضل. قال -صلى الله عليه وسلم-:» أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقكم: أتيناك مُكَذِّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت
بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب
الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذى نفس محمد بيده لولا
الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا
لسلكت شعب الأنصار! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.
قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسمًا
وحظًا. ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتفرقوا [4]
وأنقلك أخي القارئ إلى مظهر أحد الرؤساء وهو في حالة ضيق وهيجان
وعصبية عندما نُقل له تذمر أحد مرؤوسيه أو جماعة منهم على تصرف أو تصريح
بَدَرَ منه فما كان منه إلا أن أصدر قراره العاجل بالحكم عليهم بسوء الفهم وقلة
الإدراك وبدا يخطط لتأديبهم بالسبل المختلفة. وأنا أطالب القارئ أن يقارن بين هذا
الموقف الذي اتخذه هذا الرئيس وبين موقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
الذي يظهر فيه الهدوء وضبط النفس الذي مكنه من استيعاب الموقف خير استيعاب. ولنمضي جميعًا ونحلل موقف هذا الرئيس فنسأله:
1-هل راجعت نفسك في صحة ما بدر منك من عدمه؟
2-هل تأكدت من صدق ما نقل لك ومدى دقة هذا النقل؟
3-هل فكرت في سبب تذمر مرؤوسيك مما بدى منك؟ .
4-هل فكرت في أفضل السبل لإيجاد حل للموقف؟
5-هل هناك مضاعفات للموقف تحتاج أن تلم بها؟
وسوف تجد أن الذي لم يتحلَّ بالهدوء وضبط النفس لن يتمكن من سؤال
نفسه مثل هذه الأسئلة بل ينساق وراء ما تمليه عليه نفسه المضطربة من وقع
الموقف. وما أجمل ما قاله أحد الخبراء: «لا يتأثر الرئيس الفعّال لأن شخصًا
خالفه أو انتقد رأيه بل يعتبر هذا الشخص عنصرًا جديدًا من عناصر المعضلة
الواجب حلها» .
ومما تقدم يبرز أثر انعدام صفة الهدوء والقدرة على ضبط النفس من سلبيات
وخيمة في ميزان القيادة الحكيمة وإن من المسلمات في علم الإدارة أنه لا يمكن
لرئيس عصبي سريع الانفعال أن يقوم بمهمته الأساسية وبشكل مشوق وهو في
الحقيقة مثال للقلق والرعونة، تلك الأمور التي عليه أن يحاربها لدى الآخرين.
يقول صاحب كتاب فن القيادة: «يوحي الهدوء بأن صاحبه ذو إرادة لا
تتحول عن هدفها وتسبب نظرة الرئيس الهادئة العميقة شعورًا من القلق لدى
المشاغبين ومثيري المشاكل من المرؤوسين، وإحساسًا غريزيًا بأنهم أمام قوة لا
تقهر» .
(1) لمحات في فن القيادة ج كورتوا الطبعة الثالثة 1986م.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) السيرة النبوية لابن هشام، دار القلم الجزء الرابع ص 85.