أ. د. عبد الكريم بكار
إذا تساءلنا عن قاسم مشترك، أو عن شيء يستهدفه الناس جميعًا لأمكن أن نقول: إنه السعادة والهناء وراحة البال. والحقيقة أن الله ـ جل وعلا ـ فطر النفوس على حب الحياة وحب الاستمتاع بالخيرات التي بثها الله ـ تعالى ـ في الأرض، كما في قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] ، ويكفي في الأصل لأن يتخلص الإنسان من المعكرات والمنغصات حتى يشعر بشيء من الارتياح والابتهاج.
في أيامنا هذه تزاحمت المطالب على الواحد منا، وصارت الضغوط التي يواجهها في كل اتجاه أكبر مما يمكن أن تتحمله جملته العصبية؛ أضف إلى هذا أن من شأن التقدم العمراني أن يزيد في طموحات الناس، ويوسِّع الهوة بينهم وبين الإمكانات الفعلية التي حوزتهم، وهذا يفتح عليهم بابًا من العناء. كما أن إحساس الناس بمصالحهم يصبح أكبر، وهذا يجلب لهم شيئًا من القلق والتوتر، وبما أن التطورات التقنية المتلاحقة إلى جانب تعاظم رأس المال هي التي توجه كثيرًا من أنشطة الحياة اليوم؛ فإن لنا أن نتوجس خيفة من عواقب الحركة الدائبة وتأثيرها في أمننا النفسي وإشراقنا الروحي. فما الذي يمكن عمله حيال كل هذه الأشياء؟
لا بد في البداية أن نتصرف في كل شؤوننا على أساس أننا لا نستطيع أن نصل إلى حلول كاملة في وسط غير كامل؛ مما يعني أننا سنظل نشعر أننا نلنا أقل مما يكفي وأقل مما نستحق، ولهذا فإن الرضا عن الله ـ تعالى ـ والقناعة بالمقسوم من الأمور الجوهرية في الحصول على الهناء، وبعد هذا يمكن أن نلاحظ وننجز عددًا من الأشياء، وهي كثيرة. أذكر بعضها:
1 -لا يصح أن نجعل السعادة هدفًا، نسعى إليه، فنحدِّث أنفسنا بأننا سنكون سعداء، وسنجد مشاعر لا نظير لها إذا فرغنا من كذا، أو حصلنا على كذا، أو وصلنا إلى كذا ... وذلك لأننا بهذا نكرس شعور عدم الارتياح في حاضرنا أملًا في الحصول عليه في مستقبلنا. وقد دلتنا الخبرة على أن ما نشغف به يكون عند وصولنا إليه ـ إن وصلنا ـ أقل إثارة للبهجة مما نظن، وأقل دوامًا واستمرارًا مما نتوقع في اشتهاء الشطر الثاني، ونقضي الشطر الثاني في التأسف على الشطر الأول.
2 -قد استقر في وعي كثيرين منا أنه لا سعادة إلا مع توفر الكثير من المال، ولهذا فإن الهاجس المسيطر على معظم الناس هو كيف يحسِّنون دخلهم، وكيف يرفعون أرصدتهم ظنًا منهم أن المزيد من المال سيعني على نحو آلي المزيد من الهناء والمسرات. إن قدرًا ملائمًا من المال سيظل ضروريًا لاستقامة حياتنا وتمشية أمورنا، لكن ليس هناك أي مؤشرات حقيقية إلى أن كثرة الأموال ستأتي براحة البال.
وتجاربنا الشخصية تؤكد هذا. إن جعل المال محورًا لجهودنا وهدفًا مركزيًا لمساعينا سيثير الكثير من التوترات الاجتماعية، وهذا لأن المعروض منه دائمًا هو أقل من المطلوب، وذلك بسبب عدم شبع النفس البشرية منه، على ما نجده في قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحب أن له واد أخر ولن يملء فاه إلا التراب والله يتوب على من تاب» (1) .
إن أفكار ما بعد الحداثة تصور للناس أن الرجل السعيد هو دائمًا رجل شاب وثري، والمرأة السعيدة هي دائمًا امرأة جميلة، والحركة العالمية للدعاية والإعلان تحاول بشتى الوجوه إيصال هذه الرسالة للناس، وهذا ساعد في انتشار عمليات الرشوة والغش والاحتيال وخرق النظم والقوانين السارية، وأوجد في الوقت نفسه تشوهًا مخيفًا في صورة المسلم في عين ذاته.
ومن هنا فإن التحدي الذي يواجهنا هو: كيف نوفر الهناء من غير الحاجة إلى المزيد من المال؟ وهذا ما سنتحدث عنه في المقال القادم بحَوْل الله وطَوْله.
(1) رواه مسلم كتاب الزكاة، رقم 1738.