الورقة الأخيرة
د.محمد بن ظافر الشهري
لم يعد التنكيل بالمسلمين مقصورًا على دول أو عقائد بعينها، بل لم يعد
مقصورًا على الكافرين كفرًا أصليًا، ولهذا فقد أصبح الحديث عن الطعنات المتتالية
في جسد أمتنا أمرًا لا يدعو إلى العجب.. وإن كان يحمل معه الكثير من المرارة
والحرقة.
إن من نافلة القول أن أتحدث عن وحشية الروس وهمجيتهم فإن لهم القدح
المعلى في تلكم الرذائل وليس في هذا تنقص للمنافقين وصنوف الكافرين؛ فهم في
حربهم للمسلمين كأفراس الرهان.. كل أمة منهم تلعن أختها..! ! ولكنني أذكر هنا
بثلاث حقائق ينطلق بها هذا الغزو الهمجي.
أيها المسلمون.. لقد آن لكم أن تعوا أن القوى العظمى ما هي إلا أصنام
صاغها خيال الجبناء الذين أصابهم الوهن فاختل إيمانهم بالغيب ويئسوا من نصر
الله.. فجمع الله لهم هزيمتين: ظاهرة وباطنة.
إن شعبًا قليل العدد والعدة، محاصرًا من كل جانب، قد خذله أهله قبل
أعدائه.. لَيُقَدم أوضح البراهين على شدة بأس المؤمن، حين يُبْلِي هذا البلاء في وجه قوة من أعتى قوى الكفر في هذا الزمن! !
وحقيقة أخرى.. أهديها إلى دول الكفر بهذه المناسبة.. أيتها الدول
المتحظرة.. لن تكوني أحسن حالًا من فارس والروم، فقد حاولت الأوعال قبلك أن تنطح صخرة الإسلام، فسجلت كتب التاريخ نتائج تلكم المحاولات، فراجعيها إن شئت.
أما الحقيقة الثالثة.. فهي من نصيب أصحاب الدرك الأسفل من النار، الذين
لم يأخذوا العبرة من البوسنة ولا من طاجكستان، و..، فليت شعري هل يدركون
الآن أن تجفيف المنابع سياسة منيت بالفشل الذريع عند الذين ابتدعوها ومارسوها
على أكمل وجه، فكيف بها عند من لا يجيدون سوى المحاكاة؟ ! لقد صدرت آلاف
من أحكام الإعدام في حق هذا الدين.. ولكنه لا يزال حيًا.. كم هو مثير للضحك
والشفقة في آن، أن يستجمع الرجل قواه ثم ينفخ باتجاه الشمس لعله يطفئها.. أو
يحثو بالتراب في البحر يريد ليدفنه ...
[يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره
الكافرون] [التوبة: 32] .
قطوف
فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام
وكثرة الجدال والخصام والزيادة في البيان على مقدار الحاجة: لم يكن عيًا ولا جهلًا
ولا قصورًا، وإنما كان ورعًا وخشية لله واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع.. ... من كتاب بيان فضل علم السلف على علم الخلف، للحافظ ابن رجب، تحقيق محمد العجمي.