الإسلام لعصرنا
أ. د. جعفر شيخ إدريس
رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة
قبل بضع سنوات نظم المنحرفون من الرجال والنساء مظاهرة كبيرة في
واشنطن تداعوا لها من بلدان العالم، بدأ على إثرها نقاش طويل عن هذه الظاهرة،
فكان مما قاله بعض المبتلين بها أنهم لا يلامون عليها؛ لأنها شيء ولدوا به؛ فهو
في جيناتهم الوراثية. وقلنا لإخواننا المسلمين يومذاك: إن هذه الدعوى لا يمكن أن
تكون صادقة لأسباب ينبغي أن يسلِّم بها كل مؤمن بوجود الخالق معترف بصفتين
من صفات كماله هما: العدل، والحكمة:
فالخالق العادل الحكيم لا يمكن أن يغرس في فطرة الإنسان سلوكًا لا مفر له
منه، ثم يجعل ذلك السلوك محرمًا عليه، بل يعاقب عليه أشد العقوبات.
والخالق العادل الحكيم إذا غرس شيئًا في فطرة الإنسان هداه إلى أحسن السبل
لإشباع رغبته منه. فهو لما جعل الحاجة إلى الطعام في خلق الإنسان أمره بأن يأكل
ويشرب ولا يسرف، وأحل له الطيبات وحرم عليه الخبائث. ولما جعل في الناس
ميلًا جنسيًا هداهم إلى الزواج وحرم عليهم الزنا، بل فصَّل لهم أحسن الطرق
للمعاشرة. فلما حرم فاحشة الشذوذ تحريمًا مطلقًا، علمنا أنه ليس لها في الفطرة
أصل، ودعك أن يكون الإنسان عليها مجبرًا.
ثم إن هذه الفاحشة فاحشة إباحية لا خطام لها ولا لجام، بل إن من شأن
أصحابها المستحلِّين لها(لا أقول من كان من أصحابها المؤمنين الذين يعلمون أنها
ذنب كبير رغم ابتلائهم بها)أن يغصبوا الناس عليها حتى لو كانوا أطفالًا كما كان
قوم لوط يقطعون السبيل ويعتدون على المسافرين، وكما أرادوا أن يعتدوا على
ضيوف نبيهم حين ظنوهم بشرًا. فهل يقول صاحب هذه الفاحشة إن الله - تعالى-
جعل في جيناته أن يفعلها مع كل من تميل إليه شهوته من أبناء جنسه؟ إن الميل
إلى الجنس الآخر ميل طبيعي، لكنه مع ذلك يمكن كبحه وضبطه، ولا يجوز
العدوان فيه، فلماذا يجوز في هذا الميل المنحرف؟
والمسلم المؤمن بكتاب ربه يقرأ فيه قوله - تعالى:[أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ مَا
سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ] (الأعراف: 80) . ومن المعلوم أنه قد سبقهم
إلى هذه الدنيا أجيال وأجيال من البشر؛ فلماذا لم تفعل الجينات في جيل أو جماعة
أو حتى فرد منهم ما فعلت بهؤلاء؟ وممن ورثوها إذا لم يسبقهم إليها أحد من
العالمين؟
قلنا ذلك أو قريبًا منه قبل بضع سنين، واليوم يأتينا علماء الأحياء بحجة
تقطع دابر دعوى أولئك المنحرفين المجاهرين، وتلجم أفواه دعاتهم. لقد تبين أن
الجينات لا سلطان جبريًا لها على سلوك الإنسان، بل ولا على كل ما يتعلق حتى
بحياته البدنية.
أنا لست من الذين يبتهجون لعجز العلم الطبيعي عن تفسير ظاهرة من
الظواهر، أو الذين يعدون كل إخفاق للعلم الطبيعي انتصارًا للدين. كلاَّ؛ فإن ديننا
هو دين الحق، فلا يضره، بل ينصره كل اكتشاف علمي. لكنني أبتهج حين يخذل
التطور العلمي الملحدين والماديين فيثبت بطلان ما تعللوا به من دعاوى وتفاسير
ونظريات ينصرون بها عقائدهم الباطلة وأهواءهم الضالة، أو ينالون بها من حقائق
الدين المنزل من عند رب العالمين. فليس المقصود من هذا المقال إذن إنكار وجود
الجينات أو عملها أو التهوين من أمر دراستها؛ فإنها من جملة آيات الله -
سبحانه - في خلق الإنسان. لكن المقصود هو أن لا تفسر هي ولا شيء من
خلق الله - تعالى - تفسيرًا يتناقض مع الحقائق القاطعة المقررة في دينه،
والمقصود أيضًا أن توضع هي وغيرها من الحقائق في وضعها الطبيعي وحجمها
الحقيقي الذي تدل عليه الحقائق الطبيعية والتوجيهات الإلهية. وإليك الآن بعض
ما نشر من حقائق في هذا الصدد بمناسبة ما سمي بفك شفرة الجينوم.
و «الجينوم البشري ذو حجم في غاية الضآلة توجد نسختان منه مضغوطتان
في نواة كل خلية من الخلايا البشرية، والخلية هي نفسها من الضآلة بحيث لا يمكن
رؤيتها بالعين المجردة لكنه هائل في ما يحوي من معلومات ... بحيث إنها لو
طبعت طباعة عادية لملأت 75490 صفحة من صفحات هذه الجريدة» [1] .
كان كثير من الناس يظنون أن هذه المعلومات التي هي بمثابة أوامر لصنع
الأشياء الحية هي التي تحتم طبيعة أجسامنا وسلوكنا. لكن الذي ثبت الآن أن
الجينات ليست هي وحدها التي تؤثر في طبيعة أجسادنا وسلوكنا، ودعك أن تحتم
تلك الطبيعة.
«.. يجب أن تستنتج الآن أن البيئة أهم مما كان يفترض في صياغتها
للإنسان» .
«إن الجينات لا تتحكم في حياتنا. لكنها مهمة»
من الحقائق الطريفة التي أظهرتها هذه الدراسة الحديثة أنه لا فرق كبير بين
الإنسان وأضأل المخلوقات من حيث عدد الجينات. فجينات الإنسان تقدر الآن
بثلاثين ألفًا بينما تقدر جينات الذبابة بعشرة آلاف. ولا تزيد جينات الإنسان على
جينات الفأر إلا ببضع مئات. ثم إنه لا يكاد يوجد فرق يذكر بين إنسان وإنسان من
حيث الجينات؛ إذ إنه لا يعدو الواحد من الألف.
ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا إذن؟ سأل أحد علماء الأحياء نفسه هذا
السؤال [2] ، فقال ساخرًا: ما كنا نظن الإنسان إنما هو ثلاث ذبابات، أو فأر
وجزء من الفأر. ثم أجاب بأن الذي يميز الإنسان إنما هو وعيه. لكنه خبط خبطًا
طويلًا في تفسير كيفية نشوء الوعي من الدماغ.
أما الذي لا يشك فيه المسلم هو أن أهم ما يميز الإنسان إنما هو الروح التي
نفخها الله فيه، والتي كان الوعي من آثارها أو أعمالها. لكن المسلم يقول أيضًا:
إن الإنسان إن كان لا يتميز كثيرًا عن الحيوانات من حيث عدد الجينات، فمما لا
شك فيه أنه يتميز عنها حتى في جسده تميزًا مشهودًا:[لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ] (التين: 4-5) . وصدق الله ربنا رب
العالمين.
(1) (عدد 11 فبراير/ 01 من جريدة النيويورك تايمز) .
(2) (انظر جريدة واشنطن بوست، صB1، تاريخ 18 فبراير من هذا العام) .