الافتتاحية
التحرير
رويدًا رويدًا يخف ضجيج التصفيق، الذي شهدته جنازة «فلسطين» في
الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، وقليلًا قليلًا يزول مفعول المخدر الناتج عن هول
الصدمة، وسرعة تصاعد الأحداث السابقة لحفلة التوقيع، وشيئًا فشيئًا يحس
المعنيون بقضية المسلمين الأولى في التاريخ المعاصر، أن وقع التهويل الإعلامي
والدعاية الإعلامية الفجة قد أخذ يخف لتطل الحقيقة الغليظة بقسماتها البشعة وقامتها
القصيرة وحدبة ظهرها؛ لتبرهن على أن الآلة الإعلامية الغربية وفروعها العربية، تستطيع أن تروّج للمُنتج السياسي المتمثل في الاتفاق الأعور «لبعض الوقت» ، لكن رداءة هذا المنتج تبقى أوضح بكثير وأبشع بمراحل من كل الرتوش
والمساحيق والأصباغ التي بُذلت لتجميل هذا المسخ الذي يُفرض على الأمة قبوله..
لا بل الإشادة به..
لقد عملت وسائل الإعلام لتحقيق هدف واحد بصورة متكررة ومن زوايا
مختلفة، هذا الهدف هو تصوير الاتفاق على أنه «اختراق تاريخي!» و «حدث
كوني» و «إنجاز خلاّق» في زعمهم وهو كما قالوا ورددوا، ولكن بالنسبة
للطرف المستفيد والأقوى في هذه الصفقة: إسرائيل وحلفاؤها الغربيون الذين
وجدوا في الاتفاق جسرًا يؤدي إلى الخروج من المأزق الراهن، وأفقًا جديدًا يساهم
في اختراق الجسم العربي الواهن أمام عوامل الضعف الذاتية والخارجية.
لقد رسمت إسرائيل منذ البداية أهدافًا واضحة، وخططًا مرحلية ترمي إلى
ترسيخ المشروع الصهيوني، ودمجه بكيانات عربية ضعيفة متداعية وساهم الفكر
العربي المستورد الذي أثبت عبر تجربته التاريخية الممتدة منذ الثورة العربية
الكبرى واتفاق «الملك عبد الله ماكماهون» وحتى اتفاقية «عرفات رابين» أن
المشروع العربي البعيد عن ثوابت الإسلام قابل للتشكيل والقولبة بحسب الظروف
الدولية التي استطاعت خلال خمسين عامًاِ أن تنخر في الثوابت وتعصف بالمسلمات، حتى تداخلت صيحات الرفض والتخوين بهتافات السلام والإشادة بالغاصب،
وهكذا تأكد أنه في ظل القيادات العلمانية العربية يصبح كل شيء قابلًا للنقاش، وأن
ما ترفضه اليوم ستقبله غدًا بعد «تحريك الساحة» و «ترويض السلاحف» التي
سارت رويدًا رويدًا من الرفض واللاءات الثلاث الشهيرة وقمم الصمود والتصدي
وشعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة..» حتى المشهد الحالي الذي يعد
بالتطبيع والسلام المنكس رأسه والتعاون مع أعداء الله ونبذ العنف والتبرؤ من رفع
الحجر في وجه الغاصب أو تنظيم مسيرة تندد بالاحتلال.. إلا إذا كانت باللغة
العبرية لغة مرحلة السلام المفروض على المفلسين وتجار النضال سابقًا أو سماسرة
التطبيع القادم.
... ولعل في التأمل في قيادة المشروع الصهيوني مثالًا صارخًا جديرًا بالتأمل
والتوقف، لقد قامت هذه القيادة «بتنفيذ» المشروع الصهيوني بحرفية شديدة
وأصولية مطرّدة.. وحينما تتأمل أهداف وأساليب بن غوريون أو وايزمن أو مائير.. تجدهم لا يقلون التزامًا بمشروعهم الصهيوني عن بيجن وشامير ورابين وبيريز. والفرق بين الجيل الأول والثاني فرق في الوسائل والأساليب ليس إلا.. صحيح
أن معطيات الحرب الباردة كانت تسمح بالتمدد العسكري، وحصد المكاسب على
الأرض، لكن المعطيات الدولية الراهنة بعد الانتهاء من تصفية الجسد الشيوعي «
وتصميم» العدو الإسلامي الجديد تقتضي أن ينتقل المشروع الصهيوني إلى
صورته الحالمة بالاندماج في كيانات متداعية والسيطرة عليها من خلال منطق القوة
الجديد الذي تتشابك فيه القوة التقنية بالعضلات الاقتصادية، وتختلط فيه الترسانة
العسكرية بأحدث أساليب التأثير الإعلامي الذي يكفل تكريس مفهوم التفوق اليهودي
والمرجعية «الإسرائيلية» لدول المنطقة أو ما تطلق عليه مراكز الأبحاث العبرية
والغربية «إسرائيل الكبرى» .. اليهود ومشروعهم الصهيوني يرى أن الجانب
الغربي قد استنزف تمامًا من مقومات القوة والمقاومة والعافية، وأن الوقت قد حان
بعد طول انتظار لأن يأخذ المشروع الصهيوني مداه في التمدد والسيطرة والاختراق
والمرجعية في المنطقة.. والمشروع الصهيوني وقياداته يتكئون في هذا على تراكم
تاريخي هائل وتجربة ماضية ممتدة إلى هذه اللحظة تقول بصوت مدو: إن اليهود
والصهاينة لم يشكلوا في يوم ما كيانًا مستقلًا في أي أرض أو في أي قطر منذ أكثر
من ألفي عام ... اليهود الجبناء لا يمكنهم أن يعيشوا مستقلين معتمدين على ذواتهم،
فتش عنهم في مراحل تاريخهم لتجدهم طفيليات تقوم على امتصاص عرق الآخرين
والاتجار بمصائبهم.. هكذا كانوا في أوروبا والغرب.. وهكذا عاشوا في عالمنا
الإسلامي حينما منحهم «حق الذمة» وحماهم من المجازر الجماعية المتتالية.. بل
إنهم في أعظم نجاحاتهم المعاصرة في أمريكا كانوا يمارسون السلوك نفسه..
الشعور بحريتهم وامتيازهم المزعوم كشعب الله المختار والتغلغل في تفاصيل الحياة
الأمريكية الحساسة كالاقتصاد والإعلام والمحاماة.. والسياسة..
إسرائيل ويهودها ينظرون إلى تجربة إخوانهم في أمريكا (الأرض الجديدة)
على أنها أنجح تجارب اليهود في تاريخهم، حيث حدث «الاختراق العظيم» ..
وهم يأملون أن يكرروا التجربة نفسها في الأرض القديمة.. أرض الرسالات
والملاحم والثروات التي يحكمها المشروع العلماني العربي المأزوم..
إن كانوا يزعمون أنهم شعب الله المختار.. فالعرب هم شعب الله المحتار،
وهم كذلك بما كسبت أيديهم وبما اختارته قيادات النضال الغابرالتي تحول فيها
المشروع الفاشل بين يوم وليلة إلى قصر رمال منهار، حيث أن المشروع العلماني
العربي كرس أدواء وعللًا ومظاهر، يبدو الحل السلمي الرخيص أحد أعراضها
فقط.. كما يظهر ضعفه أمام مشروع الصهاينة المنتصر وهم الذين ضربت عليهم
الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله..
أسباب فشل المشروع العلماني ورموزه عديدة تستحق وقفة أخرى لكن من
اللازم أن يذكر أنه مشروع «الأعداء» في مواجهة الإسلام، صِيغَ وقُدّم بلغة
عربية.. أما مشروع الصهاينة فقد انطلق من الذات وحكمة الدين عندهم بالرغم من
تحريفه وغذته توراتهم وتلمودهم اللذان كتبوهما بأيديهم.
مشروع الصهاينة المنتصر الآن حركته نفوس تقاتل لدين وعقيدة.. ومشروع
الثورة العربية الكبرى صاغه الجواسيس كلورانس والواجهات كالشريف وأولاده
وتمسك به تجار القضية العلمانيون.. وأغلب الظن أن الصهاينة سيحصدون مزيدًا
من الانتصارات أمام شراذم العلمانية العربية التي وصلت إلى الدرك الأسفل من
العار حتى يأذن الله لهذه الأمة أن تنهض من رقادها.. وترفع مصاحفها في وجه
الزبد.. ترفعها قولًا وفعلًا.. وممارسة في وجه الحاكمين بغير ما أنزل الله ويومئذ
تتساقط الأصنام، وما ذلك على الله بعزيز..