البيان الأدبي
سيف العتيبي
براكين ثائرة في الصدور.. دموع كالحمم تحرق الوجنات.. ومرارة غصّت
بها الحلوق.. وبسمة اختفت وتلاشت.. بل توارت خجلًا.. فلم يعد لها مكان..
وإن ارتسمت على الشفاه.. فهي بسمة مزيفة.. لا تدل على مكنون النفس.. فكيف
يهنأ موجع؟ وكيف يسلو مفجوع؟ وكيف لعين جريح أن تعرف معنى الهجوع؟
أينما نظرت لا تجد إلا جراحًا نازفة.. أشلاء متناثرة.. براءة طفولة مغتالة..
كرامة شيوخ مذلة.. وأعراض حرائر منتهكة..
شربت يا أمتي كأسًا من الذلِّ والهوان.. تجرعت من كؤوس المرارة أصنافًا
وألوانًا.. فنصرناك بمظاهرات مشت.. وأعلام أحرقت.. وهتافات علت.. وما
لبثت تلك الجموع أن تفرقت.. وذلك الهتاف أن خفت..
آلمني وأحرق وجداني.. وزلل فكري وكل كياني.. سؤالك: من الجاني؟
من بالذلّ رماني؟ قلي بربك ما دهاني؟
أي بني!
تربص بي الأعداء منذ بزوغ فجري.. وحشدت الحشود لوأدي.. فلم يفتّ
ذلك في عضدي.. ولم يضعف من مكانتي وقدري..
نصرني الله وأعزني بأبناء مولاهم الله.. وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم
.. وبيتهم المسجد.. ومذكرتهم القرآن.. وزادهم التقوى.. ولباسهم الزهد..
ومركبهم اليقين.. وطريقهم الهدى..
قل لي بربك أين هم؟
أواه يا أمتي.. لم أكن لأتخيل يومًا أنني على مجدك قد جنيت.. وعلى أملك
قد قضيت.. لم أكن لأصدق يومًا أنني كنت سببًا في ذلك وهوانك.. لم أكن لأفكر
يومًا بأنني بطعنة في القلب قابلت إحسانك.. قضيت حياتي كلها في الإسقاطات..
وكالببغاء أردد الشعارات.. رميت القادة العرب بتهمة التخاذل.. ونسيت أنني أول
من تخاذل.. أطلقت الصفر على الألف مليون.. ونسيت أنني أول أصفارها.. نعم
أصبحت صفرًا عندما تناسيت أنني جزء منك إن صلحت رفعت من قدرك.. وإن
فسدت كنت عددًا زائدًا عليك.. لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. ولا
يعز من ابتغى العزة بغير الله.. وعدنا الله بالنصر إن نحن نصرناه.. وكيف
ينصره من عصاه؟ وبعد عن هداه.. واتخذ إلهه هواه.. ينبغي أن نعترف صراحة
بأننا السبب في ذُلِّك وهوانك.. ينبغي لنا أن نبدأ من اليوم بترميم بنائك.. ينبغي لنا
أن نعي أننا في بنائك لبنات.. فلنغير من أنفسنا لنزيد بناءك قوة وثباتًا.. حتى
تعود لك عزتك.. وتعودي لسابق مجدك ورفعتك..
فهيّا أخي.. وهيّا أخيتي.. لنصنع فجرًا جديدًا لمجد أمتنا.. ونسأل الله العون
لنا في مسيرتنا.. وليكن شعارنا «إصلاح النفس أولًا» وليكن شعارنا «حتى لا
تكون كلاًّ» وليكن شعارنا «حتى لا تكون صفرًا» وليكن شعارنا «فلتكن الرجل
الألف» «ولتكوني المرأة الألف» .