حاوره: محمد شلاّل الحناحنة
جاء لقاؤنا بالروائي السعودي الدكتور عبد الله بن صالح العريني بعد أمسية له بندوة الوفاء الخميسية الأسبوعية بالرياض، وكانت بعنوان: (خُصوصية الرواية الإسلامية) ، والتي أثارت مشاركات كثيرة متنوّعة، لا سيما أنه أصدر ثلاث روايات إسلامية، آخرها كان في هذا العام، وهي: «مثل كُلّ الأشياء
^: أنت تكتب القصة والرواية والنقد، لكنّك عُرفت روائيًّا! ترى ماذا تمثّل لك الرواية؟ وأين تضعها اليوم في سلّم الإبداع الفنّي؟ وأين تمضي الرواية العربية برأيك؟
وفيما يخص قيمة ما قدمته في سلّم الإبداع الفني فذلك متروك لصوت النقد الموضوعي المحايد.
وإذا عرفنا أن فيروس الثللية ينتشر وسط منابرنا الصحفية عرفنا أن الأضواء لن تركز إلا على ما يدخل ضمن اهتمامها مهما كان ضعيفًا فنيًا، وفيما عدا ذلك فليس داخلًا ضمن اهتمام تلك الثلليات مهما كان رائعًا بديعًا، وفي النهاية لا يصح إلاّ الصحيح.
وإن مشكلة الرواية العربية بدأت منذ البداية التاريخية لها، حين ظهرت النماذج الأولى لها على يد «نجيب محفوظ» الذي لم تكن له رغبة ـ فيما يبدو ـ للتفاعل الإيجابي مع القضايا الإسلامية على المستوى الاجتماعي، وظلت شخصيته شخصية (إميل زولا) النسخة العربية التي لا تتعاطف مع الخير بمفهومه الشرعي الصحيح، ثم أصبح «نجيب محفوظ» أنموذجًا مكررًا، وكانت تلك هي المشكلة التي ما زلنا نجني ثمرها المرّ حتى الآن.
^: كيف تنظر إلى الالتزام الأدبيّ؟ وهل تجده يضيّق حريّة الأديب أو الروائي ويوقعه بالخطابِية والمباشرة بعيدًا عن جماليّة الفنّ الروائيّ؟
دائرة المباح في الأدب واسعة تشمل فنون الأدب كلها وألوانه المختلفة، وتتسع لتشمل موضوعات كثيرة، ليس هذا فقط، بل تفتح الآفاق إلى مجالات أدبية أوسع، ويصبح الحلال والحرام مثل ضلعي الزاوية، يحددان رأس الزاوية ومنطلقها ونوعها من جهة، لكنهما يتيحان المجال بلا حدود من جهة أخرى.
لقد جاء الدين الإسلامي لرفع الحرج عن المسلم أيًا كان، وفي أي موقع، سواء كان أديبًا أو غير ذلك؛ وذلك ليستثمر كل إمكاناته في الإبداع بشرط واحد مقدور عليه، وهو ألاَّ يتعدى حدود الدين؛ لأن تعدي حدود الدين وتحطيم المقدس ليس إبداعًا كما يشيع الآن، ولكنه خطأ كبير وظلم للأديب نفسه قبل أن يكون ظلمًا للأدب والحياة.
لقد جاء الإسلام ففجّر الإبداع لدى الصحابة الكرام، حتى قال الشعر من لم يُعرف منه ذلك، وحتى أصبح الأديب ـ ممثلًا في حسَّان رضي الله عنه ـ يلقى تأييد روح القدس ودعمه.
إن شواهد رفع الالتزام لمستوى الإبداع تشكلت في صورة تاريخية عبر آلاف الأدباء المسلمين خلال خمسة عشر قرنًا وحتى الآن، وهي دليل يجب أن يؤخذ بالاعتبار، وإشكالية التعامل مع الفنون الحديثة ـ كالرواية والمسرحية ـ هي إشكالية مؤقتة فقط، سرعان ما يتضح ـ إن شاء الله ـ أن التزام الأديب المسلم لمْ يَعُقْهُ عن الإبداع بهذين الفنّين الأدبيين يزينان ويرفعان درجة الإبداع فيهما كما فُعل مع أخٍ لهما من قبل وهو الشعر.
^: يقول بعض النقّاد: (إنَّ الرواية التي تخلو من المرأة وعلاقاتها بالرجل رواية باهتة لن تعبّر عن واقع الحياة وحقيقتها!) ؛ ما ردّك على هذا القول؟
^: لعلّي أنطلق من إجابتك للسؤال السابق لأسألك: ماذا حققت الرواية الإسلامية؟ وهل وصلت إلى العالميّة كما نطمح أنْ يكون الأدب الإسلامي عالميًا؟
الرواية الإسلامية جعلتنا نراجع أمثال تلك الروايات، فنكتشف بُعدها عن المعيار الفني المحض إلى سلوكيات شائنة تسقط على الشخصيات، ويُقدَّم لنا المجتمع من خلالها، وهي بذلك تنقل تلك السلوكيات إلى القراء بالطبع.
الإنجاز الآخر للرواية الإسلامية أنها قدمت النموذج القوي على إمكان ترويض الفن الروائي ليحمل المضمون الطيِّب، ولتقول للمبدعين: إن الإبداع لا يقتصر على دائرة المحرّم، بل إن في موضوعات الخير بديلًا أفضل، مع التذكير أن موضوعات الشر إذا عُرضت بأسلوب لا يُغري بها ولا يحرِّض على الرذيلة فهي داخلة ضمن إطار الرواية الإسلامية واسع المدى.
أما أن تحقق الرواية الإسلامية مكانة عالمية فهذا هو المتوقع، لأنها تعكس اهتمامًا عالميًا يتفق مع الفطرة التي يذهب بعض الناس عنها مؤقتًا؛ كما في سلوكيات الغرب، ولكنهم لا بد أن يعودوا إليها.
وحينما التقى «نجيب محفوظ» بمراسلي وكالات الأنباء والصحفيين بعد فوزه بجائزة «نوبل» كان من أهم الأسئلة التي وُجهت إليه: ما يختص بالرواية الإسلامية؟ ومن رائدها؟ وما دورها؟ وأذكر أنه أشار إلى «نجيب الكيلاني» بوصفه رائد الرواية الإسلامية.
^: روايتك الأخيرة: «مثل كُلّ الأشياء الرائعة» إلى أيّ مدى تحمل الهمّ الإسلاميّ في ظلّ ما تعيشه الأمّة من استلاب سياسي وفكري وثقافي؟ وما رأيك بمن يقول: أنّها تحلّق في فضاء غير فضاء همومنا وواقعنا؟
^: لنتحدث عن المشهد الثقافي السعودي؛ ماذا ترى فيه أمام ما يسمّى عولمة الثقافة؟
^: دعنا نتعرّف على جديدك القادم ـ بإذن الله ـ.