المنتدى
أحمد بن مسفر بن معجب
كثيرٌ من الأمم والقبائل والشعوب تفتخرُ بأنسابها وأحسابها وتتباهى بأجذامها،
ويعدُّون ذلك شرفًا لرفعتهم وفخرًا سمَا بهم. ولا ضير في أن يتعلم المسلمُ نَسَبَهُ
ليكون عونًا له على صلة رحمه، وقد ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإنَّ صِلة الرحم محبةٌ في الأهل،
مثراةٌ في المال، منسأةٌ في الأثر» [1] .
فالأصل واحد، والنفوس متشابهة:
النَّاس من جهة التمثيل أكفاءُ ... أبوهمُ آدمُ والأمُّ حَواءُ
نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مُشاكَلةٌ ... وأعظُمٌ خُلقت فيهم وأعضاءُ
فإن يكن لهم من أصلهم حسبٌ ... يُفاخرون به فالطين والماءُ
والمسلم الحصيف يستطيع أن يجعل من الأنساب مدرسةً يتعلم منها النافع:
-يتعلم من نسبه ما يصلُ به رحمه كما في الحديث المتقدِّم.
-يجعل من نسبه مجالًا للتعارف والتعاون امتثالًا لقول الله تعالى:[يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ] (الحجرات: 13) .
-يعلم عِلم اليقين أنَّ نسب العبد يوم القيامة عند الله لا يُساوي شيئًا:[وَمَا
أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ
جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ] (سبأ: 37) فبلال وسلمان
وصُهيب رضي الله عنهم أكرم عند الله من أبي جهل وأمية بن خلف وشيبة
وربيعة! [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ] (المؤمنون:
«كل نَسبٍ وصِهرٍ ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري» [2] .
روت عبدة بنت خالد بن مَعْدان الحمصي [3] رحمه الله تعالى: «قلَّما كان
خالد يأوي إلى فراش مقيله إلا وهو يذكر شَوقهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار ثم يُسَمِّيهم ويقول: هم أصلي وفصلي،
وإليهم يحنُّ قلبي، طال شوقي إليهم، فعجِّل رب قبضي إليك، حتى يغلبه النوم
وهو في بعضِ ذلك» [4] .
هل يعي معلمو أبنائنا هذه المعاني فيغرسوا في نفوس النشء حب رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وحب صحابته رضي الله عنهم ويعملوا بسنته وسنة خلفائه
الراشدين المهديين؟
ورحم الله «ابن الوردي» القائل:
لا تقُلْ أصلي وفصلي أبدًا ... إنَّما أهلُ الفتى ما قد حَصَلْ
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
(1) حديث صحيح: صحيح الجامع الصغير وزيادته، 1/570.
(2) حديث صحيح: صحيح الجامع الصغير وزيادته، 2/838.
(3) تابعي، ثقة، اشتهر بالعبادة، أصله من اليمن، وإقامته بحمص، توفي عام (104هـ) .
(4) تهذيب الكمال، 8/171، وحلية الأولياء، 5/210.