افتتاحية العدد
الإسلام قادم..
رغم السدود والقيود
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله
وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد،،
فإن المتابع لواقع أمتنا وما ابتلاها الله به بكثير من الأحزاب العلمانية الحاكمة
ووسائل إعلامها التي تواصل عملها الدؤوب للصد عن دين الله والتخويف منه؛
لعداوتهم لهذا الدين والرعب من أن يعود، وخوفًا من فضح تلك التوجهات الظالمة
وكشف مكرها المستمر يعجب المتابع لهذه الحال، وإن كان الشيء من معدنه لا
يستغرب.
والمتابع بصفة خاصة للحالة التركية يجد هذا العداء جليًا، وسبق أن بينا
حقيقة تلك (المافيا العسكرية) الممسكة بأزمّة الأمور هناك في حربها للمد الإسلامي
في تركيا ومواقفها التسلطية حيال (حزب الرفاه) الذي يعلم الجميع مدى تساهله
وتسامحه فضلًا عمّا أعلنه من قبولٍ للعبة الديمقراطية، وما ذاقه الرفاه من الضغوط
المتوالية لقرارات ما يسمى بـ (مجلس الأمن القومي) وبخاصة تحركاته المشبوهة
لإحراج الرفاه مثل تدخله العسكري في العراق بدعوى مطاردة حزب العمال الكردي، وكذلك العلاقات العسكرية المكشوفة مع الصهاينة وإجراء المناورات معهم في هذه
الآونة بالذات، وإصرارهم على إقفال مدارس تحفيظ القرآن ومعاهد الأئمة
والخطباء مما اضطر (أربكان) إزاء تلك الضغوط للاستقالة قبل نهاية فترته
الرئاسية. ويستمر ضغط المؤسسة العسكرية على بعض النواب في الحزب الحليف
(الطريق القويم) للانسحاب ترغيبًا وترهيبًا حتى فقدوا الأغلبية تمهيدًا لقيام الحكومة
الجديدة برئاسة العلماني المتطرف (يلماظ) الذي يحاول إنجاح وزارته بالتأكيد على
النهج الأتاتوركي ومجاملة العسكر مع أن وزارته على كف عفريت كما يقال ولو
نجحت في الثقة بها برلمانيًا لما نجحت في أداء رسالتها المفترضة لفساد عناصرها
وعدم تجانسهم؛ بل وتناقضهم؛ مما سينعكس سلبًا على أدائها ويجعلها للسقوط
أقرب؛ كل ذلك بمباركة الرئيس (ديميريل) الذي ما زال هلعًا لطرده لمرتين
سابقتين من قِبَل العسكر. مما يؤكد حقيقة أن تلك العصابات الحاكمة لا تعير
الديمقراطية أدنى اهتمام، زيادةً على أنها ترفض الإسلام، وهي أقرب ما تكون
لأتباع زعيم الدونمة المعروف (سبتاي بن زفي) فهؤلاء العسكر والعلمانيون من
كُتّاب وحزبيين وإعلاميين من واقع عدائهم الصريح للإسلام ورفضه جملة وتفصيلًا
لا يماري أحد منهم من أنه من فلول تلك الطائفة التي تظاهرت بالإسلام وما زالوا
ينفذون تعاليم زعيمهم الهالك [*] . والغريب أن الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا
ترى تدخل الجيش في شؤون الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا بشكل سافر ولم تحرك
ساكنًا كعادتها، ولم يهمها سوى الاعتراض على حكم محكمة النقض الإداري
المصري المتعلق بختان البنات! ! ، بل إن من رموزها من كتب وحذر من حزب
الرفاه واختراقه للجيش بشكل يهدد مستقبل قواعدهم العسكرية هناك؛ فالمسألة
ضمان مصالحهم فحسب؛ وعلى الديمقراطية السلام! !
أما الأحزاب العلمانية الأخرى في بلدان عالمنا الإسلامي فإن مواقفها وإن
كانت ظاهرًا أقل عداءً للإسلام من النموذج التركي فإنهم بمنطلقاتهم الفكرية
وإيديولوجياتهم العقائدية لا يقلون حربًا للإسلام عن تلك الطغمة الفاجرة؛ ويظهر
ذلك فيما يلي:
* رفضهم الإسلام شريعة ومنهج حياة ومطالبتهم بتحجيمه حتى لا يتجاوز
دُور العبادة.
* وقوفهم ضد أي توجه إسلامي مهما كان ورفضه واتهامه بالإرهاب
والتطرف والظلامية.
* الإسلاميون سواء أكانوا دعاة عقيدة، أم رواد فكر، أم عاملون في مجالات
التنمية والأعمال الخيرية غيرُ مرضي عنهم؛ بدعوى أن لهم أهدافًا مبيتة
ومخططات بعيدة المدى وأنهم بهذه الأعمال يستحوزون محبة الناس لهم!
* ديمقراطية هؤلاء العلمانيين التي يتشدقون بها ليس فيها أي فسحة للرأي
الآخر المخالف لهم؛ في الوقت الذي تحكم فيه الأحزاب المسيحية دولًا في أوربا
الغربية، ويحكم تكتل الليكود المتطرف دولة الصهاينة، بل وتقوم في الفاتيكان دولة
لها سفراؤها حتى في بعض تلك الدول ولها تدخلها المكشوف في الشؤون السياسية
في بعض البلدان كما حصل أثناء زيارة بابا الفاتيكان إلى لبنان وما أصدره مما سمي
بـ (الإرشاد الرسولي) وهو في حقيقته مخطط مرسوم لتوحيد القوى النصرانية في
لبنان في إطار ما دعي بـ (سياسة التوازن العادل) لتبقى للنصارى الأغلبية والنفوذ
القائمان الآن.
فلماذا يقف هؤلاء الأعداء في بلداننا ضد الإسلام وضد الداعين إليه بدعاوى
ما أنزل الله بها من سلطان، ويجعلون همّهم مصادرة أي اتجاه إسلامي وإن رُشّح
من الشعب نفسه؟ فديمقراطيتهم فُصّلت على مقاساتهم، لذا نجد ظاهرة الإطاحة
بالإسلاميين باتهامات معدة سلفًا منها: انتماؤهم لتيارات محظورة، أو أنهم يشكلون
خطرًا على الوحدة الوطنية! التي هي أصلًا على جرف هار لضعف الأسس التي
قامت عليها فذلك معروف للجميع.
إن تلك الضغوط التي تصبّ ظلمًا وعدوانًا ضد الإسلاميين والداعين إلى
ضرورة التحاكم إلى شريعة الله لا تزيد هؤلاء العاملين والداعين سوى اليقين بأن
ذلك امتحان وابتلاء من الله، ثم إن الشعوب المسلمة تعرف حقًا المصلح من المفسد.
حقًا إن دين الله باقٍ مهما استبد الطغاة الحاكمون بأمرهم في حرب الإسلام
ودعاته وهذه حقيقة علّمنا إياها الله جل وعلا بقوله:[هُوَ الَذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ] [التوبة: 33] يقول
صاحب الظلال رحمه الله موضحًا انتشار هذا الدين في صدر الإسلام ثم كيف تخلى
عنه أهله(خطوة فخطوة ... بفعل عوامل داخلة في تركيبة المجتمعات الإسلامية من
ناحية، وبفعل الحرب الطويلة المدى المنوعة الأساليب التي أعلنها عليهم أعداؤهم؛
لكن هذا ليس نهاية المطاف ... إن وعد الله قائم ينتظر العصبة المسلمة التي تحمل
الراية وتمضي مبتدئة من نقطة البدء التي بدأت بها خطوات الرسول وهو يحمل
دين الحق ويتحرك بنور الله) (1644/ج3) .
ولعل من مبشرات انتصار هذا الدين ما نشرته وكالة الأنباء الإسلامية مؤخرًا
عن (الكتاب الدولي للكنائس) الذي ذكر فيه أن النصارى يمثلون ربع سكان العالم
وعددهم 6، 1 بليون نسمة، والمسلمون يمثلون خمس سكان العالم وعددهم بليون
نسمة وأكثر، ولكن عدد المسلمين يتزايد بمعدل 82 ألف نسمة يوميًا نتيجة دخول
كثيرين للإسلام ونتيجة للإنجاب المستمر لدى المسلمات وإذا استمر هذا المعدل فإن
الإسلام سيصبح الدين الأول في العالم عام 2058م؛ فضلًا عما نشرته الوكالة
نفسها من أن غالبية شباب أوربا يقولون: إن الدين النصراني ليس له أهمية في
حياتهم؛ مما دفع المنصّرين إلى إعلان الطوارئ لتوجيه أعمالهم لإعادة أولئك إلى
دياناتهم.
إن ديننا الحنيف دين واقعية ووضوح وإنسانية وأخلاقية، ويرفض الظلم
والعدوان، ويقدم الحلول الجذرية لمشكلات العالم بكل موضوعية بعيدًا عن الإفراط
والتفريط، وهذا ليس ادعاءً بل له رصيده من التجربة في عصور الإسلام السابقة
واللاحقة، وقد قدم بعض علماء الإسلام أكثر من نموذج لدساتير الدولة الإسلامية
وهي جاهزة للتطبيق ونتساءل: حتى متى تعطل ولمصلحة من يحال دون تنفيذها،
ومن المتواطئون ضدها؟ وهذا لا يخفى على اللبيب معرفة من وراءه؟ وكل ذلك
يجب ألا يوهن همم المسلمين أو يثبط عزائمهم.
إن كيد الأعداء ضد الإسلام ودعاته مستمر؛ لكنهم سيبوؤون إن شاء الله
بالخسار والدمار، فالإسلام قادم رغم كل السدود والقيود وصدق الله العظيم:[وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ]
[الأنبياء: 105] .
(*) لمزيد من الإيضاح لحقيقة الدونمة ودورهم في سقوط الخلافة العثمانية
واستمرارهم في الكيد للإسلام انظر (يهود الدونمة) د / محمد عمر.