المسلمون والعالم
إدماج طالبان في البنية السياسية الأفغانية
واحتمالات الإخفاق والنجاح
حفيظ الرحمن الأعظمي
مع انزلاق أفغانستان يوميًا في مستنقع الاضطراب والفوضى؛ يبدو أن
السلطات الأمريكية بدأت تدرك أنها من غير الممكن أن تحقق الاستقرار في البلد
بالوسائل العسكرية، وتحاول حاليًا استكشاف الخيارات السياسية التي تمهد لها
الطريق في النهاية للخروج من أفغانستان.
في البداية؛ كانت هناك محادثات في قاعدة القوات الجوية الباكستانية في
«كويتا» مع مَنْ اصطلح الإعلام الغربي بتسميتهم العناصر «المعتدلة» من
طالبان (وفي مقدمتهم وزير الخارجية السابق في حكومة طالبان) ، لكنها
سرعان ما أخفقت. ثمّ جاء تشكيل مجلس عسكري قيادي جديد لحركة طالبان،
والتي تمكنت من إعادة بسط سيطرتها على بعض أقاليم ومناطق الجنوب الشرقي
لأفغانستان.
وأُجبرت الولايات المتحدة على متابعة مختلف الوسائل في أفغانستان كنتيجة
لإخفاق رجلها المختار، رئيس الحكومة الأفغانية المعيّن حامد قرضاي، ناهيك عن
عجز حكام المحافظات الجنوبية المختارين بعناية عن بسط سلطتهم في مناطقهم،
والتي تحولت الآن إلى معاقل للمقاومة الإسلامية.
أمّا أعمدة السلطة الحقيقية لنظام كابل، ومن ضمن ذلك تحالف الشمال
والجنرال عبد الرشيد دوستم، فقد رسموا الآن بشكل واضح حدود مصالحهم التي
تتناغم مع مصالح الولايات المتحدة، بينما أظهرت باكستان ميولًا تجاه أولئك الذين
لا ترغب فيهم الولايات المتحدة حاليًا.
وإذا كانت الولايات المتّحدة جد راضية عن دور باكستان في اتخاذ إجراءات
صارمة ضد شبكة القاعدة؛ فإنها فيما يتعلق بطالبان لم تأمن جانب إسلام آباد.
وعلى مدى الأشهر الماضية، دعمت باكستان قادة أفغان، خاصة الذين أقامت معهم
علاقات أثناء غزو الاتحاد السوفييتي السابق لأفغانستان في الثمانينيات عبر عمليات
عسكرية سريّة، لكن إسلام آباد أخبرت الولايات المتحدة بشكل علني بأنه بمقدورها
«ترويض» هؤلاء القادة؛ إذا أولتهم واشنطن عناية وأهمية بما فيه الكفاية في
تركيبة السلطة في أفغانستان.
قبل الإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان في أوائل 2002م؛ عملت باكستان
ما بوسعها لتشكيل قوة بديلة لملء فراغ السلطة المرتقب، لكن اختياراتها وبدائلها ما
كانت مقبولة لدى الولايات المتحدة. وكنتيجة لهذا الإخفاق؛ كان لزامًا على باكستان
أن تهضم «الحبّة المرة» (تحالف الشمال) الموالية للهند إيران وروسيا؛
باعتبارها الشريحة المهيمنة على السلطة في كابل. لكن الآن، وبعدما أثبتت
خيارات الولايات المتحدة إخفاقها، فإن السلطات الأمريكية حريصة على طلب
مساعدة باكستان في عملية ترتيب الأوضاع في أفغانستان، والتي تشمل إدماج من
اصطُلح على تسميتهم بـ «المعتدلين» في طالبان في الحكم، وهو الخيار الذي
كان مرفوضًا من جانب أمريكا في البداية، وقد تعزز بمبادرة إطلاق وزير
الخارجية السابق في حكومة طالبان متوكل، والذي يُتوقع الآن، من خلال دعم
الباكستانيين له، أن يُمنح منصبًا رفيعًا في الحكومة المحلية في قندهار المقر
الرئيس السابق لطالبان. في الوقت نفسه يجري استكشاف الخيارات وفحصها
لتجنيد وزراء سابقين في طالبان؛ من ناحية لتبريد المقاومة الأفغانية للأمريكان،
ومن ناحية أخرى لتحقيق التوازن مع تحالف الشمال، والذي بدأ يثير حفيظة
الولايات المتحدة بعض الشيء.
إلا أن المشكلة الرئيسة بالنسبة لباكستان وأمريكا تبقى في القادة الميدانيين
الذين يحظون بشعبية وولاء جماهيري واسع. وتعمل باكستان حاليًا بالنيابة عن
الولايات المتحدة لكسبهم وتحويل مسارهم، ولعل أبرز هؤلاء القادة المجاهد
التاريخي مولانا جلال الدين حقاني؛ إذ دعت سلطات باكستان حقاني بعد أحداث
11/9/2001م مباشرة إلى إسلام آباد، حيث عُرضت عليه صفقة من قبل
السلطات الأمريكية ليحوّل ولاءه ويغير معسكره، وحاولوا إغراءه لكنه رفض،
وانخرط في صفوف المقاومة ضد الجيش الغازي بقيادة الولايات المتحدة. ويتولى
حاليًا قيادة المقاومة في أقاليم باكتيا، باكتيكا وخوست؛ حيث تشهد المقاومة هناك
قتالًا عنيفًا. وقد طمأنت الاستخبارات الباكستانية الولايات المتحدة بأنه عاجلًا أم
آجلًا سيكون حقاني إلى جانبهم!!
وقد ألمح الرئيس الأفغاني حامد قرضاي مؤخرًا إلى أنه يريد إدماج حركة
طالبان في النظام السياسي المستقبلي للبلد. وإذا صح هذا التوجه؛ فإنه سيكون
تغييرًا استراتيجيًا لموقفه السابق من الحركة الإسلامية. ويعكس هذا التناقض أو
بالأحرى هذا التخبط إدراكًا بأن طالبان لا يمكن أن تُتجاوز في أية تسوية مستقبلية
باعتبارها طرفًا أساسيًا في المعادلة السياسية والعسكرية في أفغانستان.. وإذا حدث
وتحرك قرضاي وفق هذه الاستراتيجية التي أشار إليها؛ فإنه بهذا يكون قد زج
بنفسه في مخاطرة، وسيُحاصر من قبل الطالبان وشركائه الحكوميين من الطاجيك،
الأوزبك، الهزارى، وقبائل تركمانية، والمؤيد الأساس له الولايات المتحدة.
ففي أثناء مقابلة جرت مؤخرًا مع البي بي سي، ذكر الرئيس الأفغاني حامد
قرضاي بأنه لا يريد إزالة طالبان باعتبارها جزءًا من تركيبة أفغانستان، ويوحي
هذا التصريح بتغيير في موقف قرضاي السابق، حيث أكد في 10 يونيو / حزيران
بأن طالبان انتهت كقوة منظمة، وأشار أيضًا إلى أن الأغلبية من أعضاء الطالبان
الأفغانييين عادوا إلى بيوتهم، قائلًا إن معظم مقاتلي الطالبان من الأجانب.
ويبدو أن الزعيم الأفغاني أعاد النظر في موقفه من حركة طالبان التي عاودت
الظهور في جنوب وشرق أفغانستان، بالتنسيق مع قلب الدين حكمتيار زعيم
الحزب الإسلامي؛ منذ أن أصبح العراق محور تركيز وانشغال الولايات المتحدة
في وقت سابق من هذه السنة.
ويدرك قرضاي بأن الوجود العسكري الأمريكي ليس حلًا دائمًا للوضع في
أفغانستان، علاوة على ذلك، فإن الحكومة الانتقالية مُلزمة بالدعوة للانتخابات في
يونيو 2004م طبقًا لما ينص عليه الدستور الذي صادق عليه مجلس نواب القبائل
للتي أنجزها الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرّف مع الإسلاميين في بلاده.
ويحاول قرضاي أن يظهر بأنه لا يمانع في مشاركة طالبان في الحكومة المركزية
وفي الـ 29 محافظة أفغانية إذا هي رغبت في ذلك، غير أن المشهد السياسي
الداخلي في باكستان وأفغانستان متباين جدًا.
على أية حال؛ يرفض الحزب الإسلامي وطالبان المشاركة في السلطة،
وليسا مستعدين حاليًا للدخول في أي مفاوضات مع قرضاي، كما أنه من غير
المحتمل أن توافق الولايات المتحدة على ضم طالبان إلى الحكومة الأفغانية الجديدة؛
ما دامت الحركة على علاقة بتنظيم القاعدة، ولا ترغب في التضحية بعلاقاتها مع
المقاتلين الأجانب. ومن المتوقع أن يحاول قرضاي التودد إلى بعض أعضاء
شورى حركة الطالبان لتحدي الملا عمر ومستشاريه المقربين داخل الحركة،
والحقيقة أن هناك إمكانية محدودة جدًا للنجاح في هذا الاتجاه؛ إذ إنه ليس من
الوارد أن ينقلب مجلس الشورى على الملا عمر، والذي يُعتقد بأنه كان يتنقل
باستمرار بين مسرح العمليات في معقل البشتون بجنوب أفغانستان وملجئه في
المناطق العشائرية على طول حدود الأفغانية الباكستانية.
ويواجه قرضاي معضلة خانقة، فهو لا يستطيع المخاطرة بإزعاج واشنطن
التي تساند حكومته؛ إذ إن الولايات المتحدة ليست منجذبة إلى تحرك قرضاي
لإدماج طالبان في أيّ ترتيب سياسي مستقبلي، وهو أيضًا لا يستطيع مواصلة
سياسة الاعتماد الكلي على الدعم الأجنبي الذي يضعف موقعه داخل أفغانستان. وإذا
أراد أن يضمن لشخصه مستقبلًا سياسيًا؛ فإنه بحاجة إلى توسيع قاعدة دعمه بين
البشتون، حيث الولاء موزع بين مختلف المجموعات العشائرية، طالبان، الحزب
الإسلامي، وآخرين.
وفي نظر المحللين؛ فإن باكستان تعقّد المسألة كثيرًا، لانشغالها بضمان هيمنة
البشتون في أيّ حكومة أفغانية مستقبلية. ورغم أن سياسة إسلام آباد انقلبت على
طالبان؛ فإن بعض الفئات القويّة ضمن قطاعات الاستخبارات والجيش يضيقون
بتحطيم طالبان، وينظر هؤلاء إلى الحركة كعامل حيوي في ضمان مصالح باكستان
الجغرافية السياسية. وقد تدعم هذه العناصر في مؤسسة الاستخبارات العسكرية
الباكستانية طالبان لإجبار قرضاي على النظر في إيجاد اتّفاق مع قادتها. كما أن
قرضاي لا يدرك فقط بأن طالبان قوة لا يمكن أن تطرد بسهولة؛ لكنه يدرك أيضًا
أنه يحتاج إلى تعزيز موقعه بين البشتون لصد التأثير المتزايد للفئات الأخرى
الأوزبكية والطاجيكية في الحكومة.